بعد مسيرٍ أسير، وقف الهائم وحده عند كومة أحجار مردومة في فلاة، وعند سكونه هبت رياح الماضي ماسحة على خديه رحيق ذكرى هو واقف عند حافة ضريحها الغريب، تمطر رباب السماء بقع نور على أحجاره الباردة، فتبعث من شِقّ الضريح طفلةً غضة لا تشبه سوى نفسها أيام نشاطها، تطير مبتهجة لتحرر أسرى النسيان، ويتلو الطفلة أطفال وفتيان وفتيات، كلهم منطلقون وتعلو جريهم ضحكات بريئة جريئة، كل الأمل والفرح مزهر فيها، وحول أزهارهم المبثوثة فراشات تستقي ألوانها منها.
ثم وهو في صحوة بهجته التي ظنها عادت كما كانت وأنه قد ينضم للعب الأطفال المحلقين أمامه، ينفر غول من ذلك الضريح المعتم، وينشب مخالبه العمياء في صدر الواقف المحتار، ومع تقطيعها عروقه تتفسخ كل تلك المظاهر الأليفة وتظهر من خلفها حرائق الآلام، ويقفز الغول عائداً إلى مرقده مُرجعاً كل شيء كما كان، إلا من لهيب أظفاره الذي تركه مستعراً في صدره المهزوم بنار الشوق الموقدة، ووشم يقول:
ما الذي سيدوم؟