إذاً فإن هذه الوصية المهمة ليست مقتصرة على الكلام العام والمجاملات في المناسبات أو عند ذكر الأموات، بل يدخل فيه حال الجدال والخلاف حتى وإن كان المخالف من (أشد الناس عداوة للذين آمنو).
ولو أتى تجاهل هذه الوصية المؤكدة من باب الغفلة والنسيان لكان الأمر هيناً، ولكن المؤسف في يومنا هذا أن نجد من يتعمد تأويل النص وصرفه عن معناه الظاهر، بل تصل ببعضهم الجرأة أن يستخدم نصوصاً قرآنية أخرى لتبرير سوء أدبهم وفساد ألسنتهم، فيتجاوزون بهذا الموقف سوء أدبهم مع الناس إلى سوء الأدب مع الخالق سبحانه،
فنجد هؤلاء المسيئين يتذرعون بقوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) فيسعى أصاحب البذاءة والإساءة إلى إقحام أنفسهم في خانة المظلومين ليستعملوا الآية درعاً يتقون به نصائح الناصحين،
ولما تفكرت في هذه الآية، وليقيني أن الآية لا يمكن أن تفتح باباً لظلم الآخرين، وأنّ تخفي الظالم في ثياب المظلوم لن يُقبل عند من فهم الآية فهماً سليماً، وأن الجهر بالسوء ليس مفتوحاً لكل أحد،
خطر بذهني أن حالة الظلم الواردة في الآية تقتضي أن تكون العلاقة بين الظالم والمظلوم علاقة ندية أو علاقة قوي بضعيف، والعلاقة الندية تكون فيه القوى متكافئة ولكن الظالم اقتدر على المظلوم بالكيد والغدر فتمكن منه، وأما الضعف فله حالات ومنها: المرض وضعف الجسم، قلة المال، مرض العقل. وهذه مظاهر للضعف الذاتي، وللضعف مظاهر أخرى معنوية أو خارجية ومنها: ضعف النفوذ، قلة الأنصار. ومثاله قوله تعالى: (حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا).
ولكني أردت أن أجد من أقوال العلماء ما يؤيد هذه الفكرة التي توضح طبيعة العلاقة بين الظالم والمظلوم، فوجدت قولاً دقيقاً للإمام القرطبي في تفسيره قوله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) قال: (..وقال علماؤنا : هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت ، وأما إذا تفاوتت ، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب ؛ وهذا صحيح وعليه تدل الآثار)
وهنا نعود للسؤال الأول: هل نقول للناس حسناً؟ .. أم نجهر بالسوء؟
والحقيقة الشرعية والإنسانية المعلومة أن القول الحسن هو الواجب، وأما الجهر بالسوء فلا يكون إلا لهدف واحد وهو إحقاق الحق، فاعلم أنك إن جهرت هنا وهناك بهدف الانتقام والتشغيب وتشويه السمعة فقد خرجت عن الحد المسموح ووقعت في الخطيئة، أتعرف لماذا؟ لأنه تعالى قال في بداية الآية (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) ثم استثنى لتعرف أن الأصل هو الرفض،
واليوم تعددت وسائل استرجاع الحقوق وحفظها، عبر الشُرط والمحاكم الشرعية، والجهات الرقابية، وتقديم الشكوى لهذه الجهات يعد من (الجهر) بما وقع عليك من سوء،
وللإمام الشعراوي لفتة لطيفة في تعليقه على الآية: (إنه سبحانه وتعالى يريد أن يحمى آذان المجتمع الإيمانى من قالات السوء.. أى من الألفاظ الرديئة؛ لأننا نعلم أن الناس إنما تتكلم بما تسمع، فاللفظ الذى لا تسمعه الأذن لا تجد لسانا يتكلم به..)
وختاماً: احذر أن تكون ممن التصقت به صفة (الجهر بالسوء من القول) فصار خُلُقهم (السوء) سراً وجهراً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق