تتحرر هذي الدمية الخشبية من خيوط عناكب الأفكار المنسوجة حول جسدها المتصلب، وككل صباحاتها الشاحبة تبعثر تلك الخيوط الواهنة بحثاً عن خيط الحياة، أو الوفاة، وهي تدري أن أحدهما سيبقى، وسيبين لونه وضوءه ناصعاً أو قاتماً، لكنها وكالعادة لا تبصر سوى الغبار يتناثر بين أناملها وحولها من كل جانب.
بجهاد مُثقل،
تتدرج في نهوضها المستصعب، حتى تظن أن الشلل قد قرر احتضان أطرافها هذه المرة، فتفزع واثبة وتسمع طقطقة مفاصلها، كأن جليد السبات يتكسر عنها، وتتألم، لكنه ألمٌ جبري اختارته على كوارث ومآلم أخرى لا تطيقها، فعلى الأقل كانت هي من اختار دربه أول مرة، ثم ساقها اختيارها لهذه الغابة الدهماء.
أمام المرآة الملبّدة،
لا وجه يبدو ولا رسم، بل آثار غياية رعدية مختنقة، لا هي أمطرت فتسقي الركام، ولا رحلت لتترك للنور الفصام، وتمرر الدمية مشطها على الدخان، وحلزون الساعة يزحف مكان عقاربها، تقلّب يديها في الدُرج ثم تُخرج منه علبة قطيفية فاخرة مذهبّة الأطراف، وبعد برهة من النظر المبهم تضع غطاء العلبة جانباً لتأخذ من عمقها قطعة خشبية ثقيلة مصقولة ومرسومة بإتقان، وترفعها بتثاقل نحو وجهها..
قناع يصحو،
وينير بملامسمة وجهها، إنه شاب وسيم المحيا، هادئ الطلة، وبسمته المحببة لا تفارقه، إنها منحوتة بعناية كما هو شاربه ذي الشعرتين البيضاء، وهندامه الفاره المحبوك، وبعد بخات عطر كثيرة، وفي ثبات مستقيم يغادر موطن الفوضى الذي ينتمي له، إلى عالم الفوضى الذي لا ينتمي له، وبصَمْت سيارة كهربائية يمخر عباب الزحام والضجيج وعواصف الصريخ، وهو لا يسمع سوى صمتَه، ولا يرى إلا ابتسامته في المرآة.
على مسرح الدمى،
تُميزه جلسته القائمة ونظرته المستقيمة في شاشته، وتُظهر انهماك العمل فيه، واستلاب شعاع الشاشة فكره وبصره، وهو على مكتبه المُرتب، كل الضجيج حوله صامت، إلا رنين أجراس كنائس الأعداء، تدق وتدق، وهو صامت لا يجيب سوى بتلك الابتسامة المنحوتة وبعض الإيماءات الآلية المكررة، وصوت النقر على لوحات المفاتيح حوله يتوالى كتصفيق جمهور المسرح القومي، وتحيته إياهم لا تتعدى تلك الابتسامة الصامتة، وربما لحقها بشبه إيماءة برأسه، ثم القرع على أحرف جهازه مِثلهم. الكل هنا يصفق، والكل يُحيي، ولخيوط التحريك المتشابكة مصدر واحد لا يعرفه أحد.
في درب الرجوع،
والشمس ناعسة الطرف من رتابة رحلة يومه الباهتة، تُسيّره الحوامة الهامدة في مدار الشهب المنبثقة، أسيراً نحو مرتكنه الذي انساق منه صباحاً، نحو المرآة، وفي مواجهتها يخرج العلبة الفاخرة من جديد، وبعد نظرة عميقة في المرآة مودعاً حتى حسنَ الملامح، ينزع القناع ويرجع بيده للوراء هاماً بقذفه بكل قوته، لعله أراد تحطيم المرآة به، لكنه يرميه داخل العلبة ويدفنها في الدرج ثم يغلقه.
إلى الأنقاض،
يهوي جسم دمية الخشب إلى مثوى رقادها، وهي راكنة تحت طبقات السواد تنمو خيوط دواخلها، وتزحف حول جسمها حتى يتوارى في أغوارها، ودبيب الساعة يحكم الصوت في فضاء المكان، ويطول السكوت تحت أنقاض الظلام.
غريبٌ على قارعات الطريق
فما من صديق وما من رفيق
تموت القلوب وما مخبرٍ
وفي الصّدر قفرٌ يلم الحريقْ
ظلامٌ يسد الدُنا سطوةً
فيغدو الهُمامُ بها كالغريقْ
همُ القومُ لايسأمون الجفا
وينسون أهل الوفاءِ الطّليقْ
مناراتُ ودٍّ هنا قد هوت
وكان النداء بها مستفيقْ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق