الأربعاء، 10 يونيو 2026

أرقى الأشواق

أخبرني عمي محمد بن عوض العباسي رحمهم الله -ت محرم ١٤٤١ هـ‍- قال: (كان جدك عبدالله رحمه الله قليل الكلام - ت١٤١٣هـ‍ -، لا يهتم لأكثر حديثنا عن أمور الدنيا وقلّما يستفزه موضوع من الموضوعات العامة، فكنا إذا زرناه في جدة ونحن شباب نحب أن نسليه وقد أصاب الكبَرُ أركانه وهو يمخر عباب الثمانين، فنكلمه ونسأله عن الأحوال ونأتيه بالأخبار والأحداث، فلا يستجيب إلا لموضوع واحد، إنه الحديث عن مكة وأهل مكة، كنا نحكي له عن جوّها وأهلها وما استجد فيها، فيلتفت إلينا بكل انتباهه وعاطفته، ويسألنا المزيد عن أخبارها، ويبدي التعطش للكلام عنها والحنين لأهلها وأرجاءها، ويستذكر شبابه وفتوّته فيها، ومع ما كان يبدو من تأثره بذكرها، إلا أن إبداء الشوق لها كان يسليه ويسعده).

تذكرت هذا الموقف الذي حكاه لي عمي رحمه الله - عام ١٤٣٦ هـ‍- لما قرأت الموقف النبوي الآتي: جاء في الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر :أن أُصَيل
الهذلي -ويقال الغفاري- قدم على النبي ﷺ من مكة (إلى المدينة)، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا أصيل، كيف تركت مكة؟ قال: تركتها حين ابيضت أباطحها، وأرغل ثَمامُها، وامتشر سلمُها، وأعذق إذخرها، فقالت عائشة: يا رسول الله ألا تسمع ما يقول أصيل؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا تشوقنا يا أُصَيل -أو كلمة نحوها-».

والموضوع هنا هو خصوصية هذا العشق الأصيل بين مكة وأهلها، والذي لا يمكن بأي حال تشبيهه بحب مسقط الرأس عند غيرهم، فمهما كان عمق الحنين الأبدي لأول منزل كما وصفه أبو تمام، إلا أن حنين المكيّ لمكة يفوق الحنين لأي أرض أضعافاً مضاعفة، ذلك أن روح المكي دائمة الطواف حول البيت العتيق، وكيانه مبني وهو مولٍ وجهه شطر المسجد الحرام، وجسمه نابت بسقيا زمزم، وسمعه ناشئ على صوت الأذان والذكر والصلاة، وهل يضاهي ظل بناء الحرم ظلاً؟ أو هل يشابه صوت الأذان والصلوات وتلبية الحجاج صوتاً؟ وكل حياة المكي في تأهب لاستقبال ضيوف الرحمن الذين هوت أفئدتهم إليه من كل فج عميق.

 أفلا يجعل ذلك العيش في مكة والنشوء فيها امتيازاً لا يضاهى؟ وحباً لا يجارى؟ 

ومن أعذب ما ورد في مشاعر الصحابة لما عادوا إلى مكة يوم الفتح، مانُقل عن الصحابي الجليل عبدالله بن أم مكتوم وهو آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ في الطواف، ومع أنه فاقد نعمة البصر إلا أنه كان يردد:

يا حبذا مكة من وادي
بها أرضي وعوادي

بها ترسخ أوتادي
بها أمشي بلا هادي