الاثنين، 26 يناير 2026

سيف بيت المال

أخبرني عمي محمد (ت١٤٤١هـ)، قال: "لما توفي عمي عبدالقادر (١٣٩١هـ) كنت فتى حدث السن، وأخذني والدي (ت١٤١٣هـ)
 معه لبيت عمي -رحمه الله- للنظر في أمر التركة، وكانت في مكتبه خزنة فولاذية ضخمة، وبحث والدي مع الخدم عن مفتاحها، وبعد مشقة وجدوا المفتاح، ولما فتحها والدي وجد بداخلها سيفاً غمده ومقبضه من الذهب الخالص، فسألت والدي عنه، قال: كان هذا السيف من هدايا الملك فيصل لعمك وهو في فترة عمله.

وأدهشني جمال السيف، ومع أني كنت طفلاً لكني عرفت أنه من مقتنيات علية القوم، فسألت والدي لما بلغ مني الفضول مبلغه: وماذا سنفعل به؟ فقال: لم يُهدَ عمك هذه الهدية إلا مكافأة لعمله في الدولة، أما وإن خدمته قد انقضت فقد انقضت حاجتنا بالمكافأة ووجب علينا ردها لبيت مال الدولة فهو من أموالها ولا حق لنا فيه،

ولدهشتي مما قال تتبعت خبر هذا السيف، وعلمت أن والدي بحث عن مقر المجلس البلدي الذي كان عمي رئيسه ولم يستدل عليه لأنه كان مجمداً وقتها، وأنه بحث عمن يستلم السيف بصفة رسمية فلم يجد، حتى اتجه أخيراً لرئيس بلدية جدة وسلمه إياه بمحضر ورقي مكتوب". انتهى

قلت: وما هذا إلا مصداقُ الحديث النبوي الذي رواه أبو حميد الساعدي قال: "استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأسد، يقال له: ابن اللُّتَبيّة، قال عمرو: وابن أبي عمر، على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أهدي لي، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلمﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه، حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم، هل بلغت؟ مرتين" رواه البخاري

وأقول: ولو أن للحديث تفسيرات قد لا تنطبق على الواقعة ولكن التوَرُّع كله خير مالم يكن فيه أذىً قال ﷺ: (..ومِلاكُ الدِّينِ الورَعُ) الحديث، رحم الله الجميع 

الصور:
١- صورة غير ملونة: لجدي عبدالله بن محمد عثمان العباسي رحمه الله
٢- صورة ملونة: عمي محمد بن عبدالله العباسي رحمه الله
٣- صورة السيف: هو السيف الأجرب الشهير وضعتها للتشبيه فقط.


الأحد، 12 أكتوبر 2025

أظافر عمياء

بعد مسيرٍ أسير، وقف الهائم وحده عند كومة أحجار مردومة في فلاة، وعند سكونه هبت رياح الماضي ماسحة على خديه رحيق ذكرى هو واقف عند حافة ضريحها الغريب، تمطر رباب السماء بقع نور على أحجاره الباردة، فتبعث من شِقّ الضريح طفلةً غضة لا تشبه سوى نفسها أيام نشاطها، تطير مبتهجة لتحرر أسرى النسيان، ويتلو الطفلة أطفال وفتيان وفتيات، كلهم منطلقون وتعلو جريهم ضحكات بريئة جريئة، كل الأمل والفرح مزهر فيها، وحول أزهارهم المبثوثة فراشات تستقي ألوانها منها.

ثم وهو في صحوة بهجته التي ظنها عادت كما كانت وأنه قد ينضم للعب الأطفال المحلقين أمامه، ينفر غول من ذلك الضريح المعتم، وينشب مخالبه العمياء في صدر الواقف المحتار، ومع تقطيعها عروقه تتفسخ كل تلك المظاهر الأليفة وتظهر من خلفها حرائق الآلام، ويقفز الغول عائداً إلى مرقده مُرجعاً كل شيء كما كان، إلا من لهيب أظفاره الذي تركه مستعراً في صدره المهزوم بنار الشوق الموقدة، ووشم يقول: 

ما الذي سيدوم؟

الجمعة، 5 سبتمبر 2025

أفكار دمية - قصة قصيرة

مع كل صباح، 
تتحرر هذي الدمية الخشبية من خيوط عناكب الأفكار المنسوجة حول جسدها المتصلب، وككل صباحاتها الشاحبة تبعثر تلك الخيوط الواهنة بحثاً عن خيط الحياة، أو الوفاة، وهي تدري أن أحدهما سيبقى، وسيبين لونه وضوءه ناصعاً أو قاتماً، لكنها وكالعادة لا تبصر سوى الغبار يتناثر بين أناملها وحولها من كل جانب.

بجهاد مُثقل، 
تتدرج في نهوضها المستصعب، حتى تظن أن الشلل قد قرر احتضان أطرافها هذه المرة، فتفزع واثبة وتسمع طقطقة مفاصلها، كأن جليد السبات يتكسر عنها، وتتألم، لكنه ألمٌ جبري اختارته على كوارث ومآلم أخرى لا تطيقها، فعلى الأقل كانت هي من اختار دربه أول مرة، ثم ساقها اختيارها لهذه الغابة الدهماء.

أمام المرآة الملبّدة، 
لا وجه يبدو ولا رسم، بل آثار غياية رعدية مختنقة، لا هي أمطرت فتسقي الركام، ولا رحلت لتترك للنور الفصام، وتمرر الدمية مشطها على الدخان، وحلزون الساعة يزحف مكان عقاربها، تقلّب يديها في الدُرج ثم تُخرج منه علبة قطيفية فاخرة مذهبّة الأطراف، وبعد برهة من النظر المبهم تضع غطاء العلبة جانباً لتأخذ من عمقها قطعة خشبية ثقيلة مصقولة ومرسومة بإتقان، وترفعها بتثاقل نحو وجهها..

قناع يصحو، 
وينير بملامسمة وجهها، إنه شاب وسيم المحيا، هادئ الطلة، وبسمته المحببة لا تفارقه، إنها منحوتة بعناية كما هو شاربه ذي الشعرتين البيضاء، وهندامه الفاره المحبوك، وبعد بخات عطر كثيرة، وفي ثبات مستقيم يغادر موطن الفوضى الذي ينتمي له، إلى عالم الفوضى الذي لا ينتمي له، وبصَمْت سيارة كهربائية يمخر عباب الزحام والضجيج وعواصف الصريخ، وهو لا يسمع سوى صمتَه، ولا يرى إلا ابتسامته في المرآة.

على مسرح الدمى،
تُميزه جلسته القائمة ونظرته المستقيمة في شاشته، وتُظهر انهماك العمل فيه، واستلاب شعاع الشاشة فكره وبصره، وهو على مكتبه المُرتب، كل الضجيج حوله صامت، إلا رنين أجراس كنائس الأعداء، تدق وتدق، وهو صامت لا يجيب سوى بتلك الابتسامة المنحوتة وبعض الإيماءات الآلية المكررة، وصوت النقر على لوحات المفاتيح حوله يتوالى كتصفيق جمهور المسرح القومي، وتحيته إياهم لا تتعدى تلك الابتسامة الصامتة، وربما لحقها بشبه إيماءة برأسه، ثم القرع على أحرف جهازه مِثلهم. الكل هنا يصفق، والكل يُحيي، ولخيوط التحريك المتشابكة مصدر واحد لا يعرفه أحد.

في درب الرجوع،
والشمس ناعسة الطرف من رتابة رحلة يومه الباهتة، تُسيّره الحوامة الهامدة في مدار الشهب المنبثقة، أسيراً نحو مرتكنه الذي انساق منه صباحاً، نحو المرآة، وفي مواجهتها يخرج العلبة الفاخرة من جديد، وبعد نظرة عميقة في المرآة مودعاً حتى حسنَ الملامح، ينزع القناع ويرجع بيده للوراء هاماً بقذفه بكل قوته، لعله أراد تحطيم المرآة به، لكنه يرميه داخل العلبة ويدفنها في الدرج ثم يغلقه.

إلى الأنقاض،
يهوي جسم دمية الخشب إلى مثوى رقادها، وهي راكنة تحت طبقات السواد تنمو خيوط دواخلها، وتزحف حول جسمها حتى يتوارى في أغوارها، ودبيب الساعة يحكم الصوت في فضاء المكان، ويطول السكوت تحت أنقاض الظلام.

‏غريبٌ على قارعات الطريق
فما من صديق وما من رفيق

تموت القلوب وما مخبرٍ
وفي الصّدر قفرٌ يلم الحريقْ

ظلامٌ يسد الدُنا سطوةً
فيغدو الهُمامُ بها كالغريقْ

همُ القومُ لايسأمون الجفا
وينسون أهل الوفاءِ الطّليقْ

مناراتُ ودٍّ هنا قد هوت
وكان النداء بها مستفيقْ


 

الأحد، 21 يوليو 2024

جدل في الجدل

والجدل باب واسع لايمكن إغلاقه في عالم التواصل البشري، ومع أن من الناس من يراه شراً محضاً، وأن منهم من قصر خير حياته عليه، فإنه يبقى أصلاً أصيلاً في طبع كل البشر. قال تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) (الكهف:٥٤)

وكون الجدل بكل أشكاله -منطوقاً كان أو مكتوباً- وفي كل مجالاته -شرعياً كان أو اجتماعياً أو حتى رياضياً- سيبقى رفيقاً لنا كبشر طبيعيين فيحسُن بنا أن نعرف أنواع الناس في الجدل، وقد وجدت الناس على خمسة أصناف:

١- مجادل عن حق واضح: وهو المدافع عن حقائق لا تقبل الخلاف، كثوابت العلم المُقرة، ومبادئ الإنسانية الصريحة، ومسلّمات الدين عند أتباع كل دين ومذهب، ويدخل فيها ما يؤيدها من أعراف واصطلاحات توافَق الناس عليها. قال تعالى على لسان قوم نوح عليه السلام: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) (هود:٣٢)، ومن يستطيع اليوم أن ينكر أن سيدنا نوح كان يجادل قومه دفاعاً عن حق واصح؟

٢- مجادل عن باطل واضح: وهم أتباع هوىً، أو عباد مصالح، أو منحرفون تمكن الشر من قلوبهم فصاروا أتباعه، وسخّروا أنفسهم وما يملكون لخدمته وهم على علم أنهم على خطأ ولكن غلبتهم أهواؤهم وشهواتهم، والباطل الواضح هو نقيض كل ما يعتبر حقاً واضحاً. قال تعالى: (..يجادلون في الحق بعدما تبين لهم..) الآية (الأنفال:٦).

٣- إمعة: يقول -في نفسه- إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت كما وصفه سيدنا عمر بن الخطاب، أو كما قال دريد بن الصمة:

وما أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشدِ

وما ورد في وصف سيدنا عمر وبيت ابن الصمة يصبان في قدح الحكمة الدارجة اليوم : (الموت مع الجماعة رحمة) وعلى انحراف استعمال هذه المعاني كمبرر للتبعية العمياء فهو أهون -على فداحته- ممن يجادل نصراً للأشخاص وإعراضاً عن الأفكار، ويقع هؤلاء غالباً في مرتبة الغوغاء، الذين يستعملهم أهل الشر والخبث وقوداً لمعاركهم، ملبسينهم ثوب أصحاب القضية أمام مخالفيهم، وما هم إلا إمعات خاوية مشحونة بحماس تجهل مآلاته، ومشكلة بعض هؤلاء قبولهم مرتبة الإمعة ليس جهلاً بخطأ الفكرة وإنما نصراً و(فزعة) لأشخاص يرنوهم أقرب إليهم من مخالفيهم -ولو كان الكل قريب- ولكنهم في جهل كبير من سوء الموضع الذي يضعون أنفسهم فيه. 

وقد حذر تعالى نبيه والمؤمنين من الجدال عن أهل الباطل ولو كان باطلهم خفياً وضررهم غير واضح لأن في هذا سند لباطلهم. قال تعالى : (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً*يستخفون من الناس ولا يستخون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً*ها أنتم هؤلاء جادلتهم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً) (النساء:١٠٧-١٠٩)

٤- مجادل في رأي مختلط: والمعنى أن يجادل الإنسان في قضية غير محسومة، أو أن الخلاف فيها سائع، وقد يكون الفصل في أثر ما فيها من خير وشر يعود لظرف الشخص نفسه وأثر عمله أو رأيه إن كان محدوداً على ذاته أو أنه يؤثر على من حوله أو على المجتمع عامةً، والصواب والحال كذلك ألا يطول الجدل وألا يتوسع إلا لضرورة. قال ﷺ: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً..) الحديث، حسنه الألباني.


٥- المجادل الأصفر: وهو الذي لايهدف لنتيجة معينة إنما غرضه الشق على من يقابله أو التهرب من إعلان الحقيقة، فنجده يكثر الأسئلة وتشعيب الموضوع وحشد المغالطات وتعقيد سبل الحوار بتكبير الصغائر وتصغير الكبائر والإغراق اللفظي أحياناً للحيد عن لب الموضوع، وأوضح مثال لهذا النوع سلوك بني إسرائيل حين أُمروا بذبح (بقرة)، ويهتم أكثر دارسي هذه القصة بما وضعته بني إسرائيل على نفسها من أعباء، لكن يغفل كثير منهم عن أسوأ آثار تلك الحالة الجدلية العبثية ألا وهو تعطيل إحقاق الحق أمداً طويلاً الامتثال لأمر الله بذبح البقرة ليعرف الناس حكم الشرع في جريمة قتل وقعت وكشف القاتل الحقيقي. (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياتهم لعلكم تعقلون) (البقرة:٧٣)  وأسميت هذا النوع أصفراً لشبه أسلوبه بلون البقرة.

وأخيراً: فمن المعلوم أن نصيحة أهل الحكمة المتكررة إنما هي في اجتناب الجدال ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ولكن لا يمكن أن يعني هذا الترفع التخاذل والضعف وترك الباب مفتوحاً ليعيث أهل الفكر الباطل لتفشية باطلهم دون نقاش أو تبيبن، فبيان الحق واجب وإذا استوفى حقه أتى الترفع وترك العبث لأهله.

قال ابن الرومي:

لذوي الجِدالِ إذا غَدَوْا لجِدالِهم
حُجَجٌ تضلُّ عن الهدى وتجُورُ

وهُنّ كآنيةِ الزُّجاج تصادمتْ
فهَوَتْ، وكلّ كاسرٌ مكسورُ

فالقاتلُ المقتولُ ثَمَّ لِضَعْفِه
ولِوَهْيِه، والآسِرُ المأسورُ


الجمعة، 23 فبراير 2024

حلم نحات - قصة قصيرة جداً

صوتها الطفولي الأملس، ورقة ملامحها الصديقة البريئة، وضحكتها.. يالفتنة ضحكتها إذا رصّعت حديثها بها،

أمّا أعجب ما تمْلِكه من صفات أن كلَّ من خبر تلك المحاسن انقلب نحّاتاً، وصنع لها في خياله تمثالاً لصورة الأنثى الكاملة، فإذا سكَبَت رشَفاتٍ من خمْر فكْرها المُخملي أو وَهَبتْ بعض فالوذج منْطقها الأزليّ، حلّق النحاتُ في فضاء غرامها، وأطْلق في صدره -مستسلماً- جناحَيّ عشْقها، وتعانَقتْ في نفسه الجهات، فلا يدري إلى أين هو يطير،

ولكنها تدري ! 

،فقد هدأ في حديثه معها صوته، وبرَدت تجاه تمرّدها حمْأَتُه، واضْطَرم لتغيُبها شوقه،

وهي تدري ! 

وتدري أن ما يظُنه من نفسه مُحلّقاً إنّما هو موْغل في نطاق حُكْمها، وأنّ ما ينبض في جسمه باسمها ما كان إلا نذير خصوعه لها،

ولأنها تدري،

تدير بلّوْرتها السحْرية مُطْلِقةً وميضها نحْوه، فإذا لامس عينَيه انْقَشَع عنها ثوْبها الأميري، واستحال حريرها إلى دغَلٍ خشنٍ صوفيّ، وتخبّطه خمْرها بعد نشوة حسبها دائمة، وصارت حديقةُ رقّتها كومةَ أشكواك، وتطايرت شظايا روحها المتكسرة وجرّحت كل من حولها.. وهو أولهم،

وهي تدري ! وتبكي !

فإذا انخذل النحّات بتصدّع أحلى خيالاته، واشتدت في صدره آلامه، كشف عن وجعه الغطاء فإذا به هو المتصدع..


وقبل سقوطه صريعاً دق قلبه بكل لحن حزين كان يعرفه، فأنشد وحطامه يهوي إلى الأرض 

وردٌ تبدّل أشْواكاً وأوْرثني
ثُلماً تأَجّجَ في صدري يؤرّقني

قلبي تأَلّمّ أشواطاً يعَدّدها
موتاً يقارب من روحي ويسألني

أحانَ وقْتُ انْفصال الرّوح عن جسدي؟
و عظْم صدري الذي قد كان يسندني

وَقَعْتُ في فَخّ حُبٍّ غافلٍ أعمى
ألقى لعيني بصيصاً ثمّ ضيّعني

عقلي وحسّي و كلَّ الراغبين معي
شمسَ دُجاها وسرّي بات يقتلني

طاروا بأَنْجمِ كونِ الهائمين ولم
يُبْقِ لكوني قليلاً قد يساعدني

في مرْبعِ التّيهْ ألقتْ نورها حتى
لقيتُ أجْسَادَ وسط التيه ترْمُقُني

ياليتني لم أذُقْ ريّا عذوبتها
ولا عرَفْتُ بِها حباً سيَكفُرُني

ولا انطلى سِحْرها الغاني بضِحْكتها
على غباءٍ بتيه العقْل أوْدَعني

سجْنَ الضّحايا أُقاسي حلْو صورتها
حتى تَحَطّم مني الروح وصدّعني

أوَرْدةُ الصُّبْح هذي اليوم تخدعني؟
تطيح رأسي عديماً ليس ينفعني

وهمْتُ حبّاً بدا لي غفلةً برؤىً
شيئاً جميلاً بنَصْلِ القَهْر طَعّنني



*المنحوتة في الصورة من عمل النحات جورج تريجز George Triggs عام ٢٠١١م تحت عنوان : (مُحطّم، broken)

الجمعة، 1 ديسمبر 2023

في بحر التبريرات


وأظن أن أصل معنى (التبرير) مأخوذ من التزكية، أي جعل العمل (من أعمال البر) أو جعله عملاً سائغاً مقبولاً، وهو في عرفنا اليوم أقرب لمعنى (العُذر).

وأرى للتبرير سببين لا ثالث لهما:

١- ارتكاب خطأ صريح تجاه شخص يهمنا أمره، فيجب علينا عند الاعتذار توضيح سبب وقوعنا في هذا الخطأ ، فكما تعلمون -أعزائي القراء- أن للاعتذار السليم أركانٌ ثلاثة وهي:
◇-الاعتراف بالخطأ.
◇-توضيح سبب الخطأ -المبرر أو الدافع- والاعتذار عنه.
◇-الوعد بعدم تكراره.

ولهذا النوع من التبريرات نوعان الأول مقبول، والثاني مرفوض:
الأول: ذكر المبرر بغرض إثبات حسن النية مع الندم على ما جرى.
الثاني: التبرير بهدف الدفاع عن النفس ومحاولة التملص من الخطأ وإضعاف موقف الطرف المقابل وإيهامه أنه مبالغ أو سيء النية.

٢-أما النوع الثاني من دواعي التبريرات فهو شعورنا أن الطرف المقابل فهم فعلاً عادياً عفوياً على غير مراده، فالفعل هنا ليس خطأً صريحاً ولكن سياقه أو حالة متلقيه قد تجعل الأمر مشوباً بالإساءة كضحكة عابرة، أو تخلف عن حضور مناسبة أوتأخر في التهنئة أو المواساة وهكذا، فيأتي هنا دور التبرير والتوضيح، وقد لا يكون واجباً وضعه في قالب الاعتذار المذكور أعلاه، ولكن التبرير سيتأثر بحالة الطرف المقابل ومبدأ حسن أو سوء النوايا ودرجة العلاقة، ولكني أرى أحسن قوالب التبريرات -إن صح التعبير- في هذا السياق أن تكون بدرجة عفوية الموقف محل الخلاف مع الاهتمام بالتذكير بقوة العلاقة ودرجتها الحقيقية دون مبالغة أو تفريط.

أما أنواع التبريرات كما أراها فتندرج غالباً تحت ثلاثة أنواع:

١- التبرير الحقيقي: وهو ينطبق غالباً على كل ما سبق ذكره، فهو دافع حقيقي وغير مقصود لموقف أدى لخلاف أو سوء فهم، ومزية هذا النوع أنه يأتي على الذهن بعد حدوث الموقف -لأنه حصل عفوياً دون قصد- مع أن ترتيبه الزمني سابق لحصول المشكلة.

٢-تبرير الورطة: وهو موقف يرتكب فيه الفاعل خطأً بغير قصد ولا عذر فيؤلف لنفسه عذراً ينجيه من ورطته، ولو أن شيئاً من هذا قد يكون طبيعياً في علاقات البشر، ولكن التمادي فيه من طباع المستهترين الجبناء.

٣- التبرير المزيف: وهو نوع من أنواع الكذب الصريح فهو مبرر يصنعه المسيء قبل حصول المشكلة أصلاً، ثم يقوم بإلقاء عذره في وجوه المتضررين لإسكاتهم وقطع طريقهم في محاسبته ولومه. 

وهنا يكمن لب الموضوع، فإن طريق التبرير طريق طويل وأحادي الاتجاه غالباً ومتدرج أيضاً، وهو عادة سيئة يميل لاستعمالها الأشخاص الأقل قدرة على احتمال المسؤولية، فنجدهم كثيروا الشرح والتفسير، ويتحاشون الاعتراف بأخطائهم، والأسوأ من هؤلاء أولئك الذين يمارسون الأخطاء عمداً وهم يعلمون أن ما يقومون به خاطيء ولكنهم يتذاكون بنسج أعذار ومبرارت لإخراج أنفسهم من مغبة أفعالهم، 

وما يجهله هؤلاء أن الثقة في تلك المبرارات التي يختلقونها تكاد تكون معدومة عند من اعتاد سماعها، وأن هذا الطريق الذي يسلكونه هو ذات الطريق الذي أسقط كثيراً من الشرفاء في مزالق الفساد والانحطاط، طريق يبدأ بشرارة فكرة خبيثة وينتهي بحريق هائل يحيل المصداقية إلى رماد.

ومما يجدر الانتباه إليه في هذا السياق أن محترفي التبرير هؤلاء لم يحترفوا هذا المجال عبثاً، بل احترفوه لأن قدراتهم عالية في مماهاة الحقائق بالأكاذيب، فيزنوا في كل موقف معيار هذا وذاك بحسب ما يقتضيه الموقف وما تحتاجه حبكة الكذبة ليستمروا في ممارسة أفعالهم المرفوضة.

وهنا نقطة مهمة وتساؤل جوهري، فهل يمكننا اعتبار (التبرير) المزيف -كما وصفناه- مهارة مقبولة مادام المبرَر له يقبلها وهو راضٍ؟ وهل يمكن اعتبار هذه المبررات نوع من أنواع الكذبات البيضاء التي لا تضر أحداً ولكنها تجلب المنافع لأصحابها المهرة في حبكها وحياكتها؟

أقول: إن مجرد مناقشة قبول هذه الفكرة من أصله يحتم على صاحبها مراجعة نفسه ومعدن مصداقيته عند المحيطين به، لأن هذا المبدأ هو أول دركات هذه الحفرة السحيقة التي ضرت المجتمع طويلاً بأيدي المبررين الأنانية.

وأختم بحديث نبوي يصف حال أكثر هؤلاء وهو حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها حين قالت: (سَمِعَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَلَبَةَ خِصَامٍ عِنْدَ بَابِهِ، فَخَرَجَ عليهم فَقالَ: إنَّما أنَا بَشَرٌ، وإنَّه يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضًا أنْ يَكونَ أبْلَغَ مِن بَعْضٍ، أقْضِي له بذلكَ وأَحْسِبُ أنَّه صَادِقٌ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ مُسْلِمٍ فإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أوْ لِيَدَعْهَا) رواه البخاري




الجمعة، 27 أكتوبر 2023

أغلى النِعَم

محزن أن نرى بعض الناس يتفاخر ويدعي لنفسه الفضل فيما يحظى من النعم غافلاً أو متغافلاً تياسير الله له وأفضاله عليه وتغاضيه عنه، المحزن حقاً أنهم سائرون في درب مرعب يجهلون نهايته مع أن القرآن يشير إلى مصائر سالكي هذا الطريق، 

وقارون زعيم أولئك المتكبرين، مع أنه ليس أولهم: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)

فما بالكم أنه لما ادعى الفضل لنفسه، ادعاه لأنه كان عالماً بدين قومه فظن أنه حصل على هذه الكنوز عن استحقاق وجدارة، ولو كان كما قال لعلم أن من الهالكين قبله من كان أولى بهذا التفاخر وأقرب لأسباب التكبر، ولكنهم هلكوا لاستكبارهم، فلم يعِ ولم يتعظ.

وعلى النقيض، كان سليمان عليه السلام نبي ابن نبي وملكٌ ملكَ الأرض وما فيها من كائنات، ولكنه لم يستسلم لنشوة السلطة ولم يغتر بالقوة، فقال: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)

عجيب هذا الدعاء المليء خضوعاً واستسلاماً، فيطلب عليه السلام من ربه أن يساعده على شكره شكراً وافياً، ومع أنه نبي ابن نبي لكنه يطلب أن يُحسب (برحمة الله) من عباده الصالحين.
 
واليوم نرى بعض من انتفخ بما يملك من فتات، ويطير هنا وهناك متعالياً متكبراً متسلطاً على الذين هم دونه مرتبةً، أو أضعف منه منعة ولو كانوا خيراً منه وأولى منه بما ملَك، والمؤسف انخداع بعضنا بهؤلاء ومساهمتنا في نمذجتهم وإعلاء مكانتهم وماهم إلا مصائب تطفو فوقنا بلا قيمة ولا معنى.

فليراجع كل واحد منا نفسه، يراجعها في مشاعرها وما تحب وما تكره، ولنحجم ما قد يعترينا من تعالٍ أو تقدم في إعلاء الفارغين، ولنمعن النظر في نعم الله علينا ولنكثر الشكر والتذلل له والاعتراف بفضله تعالى، حتى تدوم هذه النعم.

فإن نعمة الشكر من أغلى النعم.