معه لبيت عمي -رحمه الله- للنظر في أمر التركة، وكانت في مكتبه خزنة فولاذية ضخمة، وبحث والدي مع الخدم عن مفتاحها، وبعد مشقة وجدوا المفتاح، ولما فتحها والدي وجد بداخلها سيفاً غمده ومقبضه من الذهب الخالص، فسألت والدي عنه، قال: كان هذا السيف من هدايا الملك فيصل لعمك وهو في فترة عمله.
وأدهشني جمال السيف، ومع أني كنت طفلاً لكني عرفت أنه من مقتنيات علية القوم، فسألت والدي لما بلغ مني الفضول مبلغه: وماذا سنفعل به؟ فقال: لم يُهدَ عمك هذه الهدية إلا مكافأة لعمله في الدولة، أما وإن خدمته قد انقضت فقد انقضت حاجتنا بالمكافأة ووجب علينا ردها لبيت مال الدولة فهو من أموالها ولا حق لنا فيه،
ولدهشتي مما قال تتبعت خبر هذا السيف، وعلمت أن والدي بحث عن مقر المجلس البلدي الذي كان عمي رئيسه ولم يستدل عليه لأنه كان مجمداً وقتها، وأنه بحث عمن يستلم السيف بصفة رسمية فلم يجد، حتى اتجه أخيراً لرئيس بلدية جدة وسلمه إياه بمحضر ورقي مكتوب". انتهى
قلت: وما هذا إلا مصداقُ الحديث النبوي الذي رواه أبو حميد الساعدي قال: "استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأسد، يقال له: ابن اللُّتَبيّة، قال عمرو: وابن أبي عمر، على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أهدي لي، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلمﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه، حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم، هل بلغت؟ مرتين" رواه البخاري
وأقول: ولو أن للحديث تفسيرات قد لا تنطبق على الواقعة ولكن التوَرُّع كله خير مالم يكن فيه أذىً قال ﷺ: (..ومِلاكُ الدِّينِ الورَعُ) الحديث، رحم الله الجميع
الصور:
١- صورة غير ملونة: لجدي عبدالله بن محمد عثمان العباسي رحمه الله
٢- صورة ملونة: عمي محمد بن عبدالله العباسي رحمه الله
٣- صورة السيف: هو السيف الأجرب الشهير وضعتها للتشبيه فقط.