الاثنين، 6 أغسطس 2018

وجوه بلاستيكية

اشتهر في القرون السابقة استخدام الأقنعة لأغراض مختلفة، من أشهرها استخدام الأوروبيين لها في حفلاتهم التنكرية لإخفاء مجون طبقة النبلاء، أما أشهر المقنعين في تاريخنا الإسلامي فهما المُقنع الكندي والمُقنع الخرساني، والعجيب أن الأول وهو محمد بن ظفر الكندي كان يستخدم القناع لإخفاء جماله وحسن طلعته لكثرة ما كانت تصيبه العين، أما الثاني وهو هشام بن حكيم والذي اتخذ القناع لإخفاء دمامته وقبح منظره.
أما اليوم فما عاد الناس يستخدمون الأقنعة إلا بصفة رمزية ، والسبب في رأيي أن الوجوه ذاتها صارت أقنعة بعد التوسع الكبير و المبالغ فيه في استخدام مستحضرات التجميل و عمليات التجميل أيضاً ، و بعدما كان أمر عمليات التجميل حكراً على كبار نجمات السينما و الشاشات ثم توسع إلى من هن أقل شهرة و إلى المذيعات ، حتى صارت العمليات اليوم شيئاً طبيعياً و متفشياً فانقلبت الآية و صارت عملية الضغط المجتمعي واقعة على رافضات العمليات بدلاً من العكس ، حتى تمدد الهوس إلى الرجال الذين ما عاد كثير منهم يخجل من القيام بهذه العمليات بغرض التجميل فقط .
والصادم هو تصدُّر المملكة لهذا السوق على مستوى العالم العربي ومنافستها على المستوى الدولي (من أكثر عشر دول إنفاقاً) بإنفاق تخطى 2.3مليار ريال في عام 2015م على مستحضرات التجميل وما يقارب 5 مليار ريال في نفس العام على عمليات التجميل، فهل يستطيع أحد أن يضع يده على السبب؟ وهل يشك أحد في أن الأمر يعتبر ظاهرةً سلبية تغلغلت في مجتمع كان يُعرف بأنه محافظ!
وكما تعلمون أعزائي القراء أن دراسة أي ظاهرة مجتمعية لا يمكن أن تعتمد على عامل واحد، لكن في ظني أن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة هو استحكام حب المظاهر في عقول الكثيرين، وهو نتيجة طبيعية لتركيز وسائل الإعلام بنوعيها التقليدي والمتجدد على إبراز معالم لجمال مشوه وغير حقيقي نتيجته تعود بكنوز تملأ جيوب المنتفعين من هذه السذاجة التي استفحلت في عقول الراكضين خلف هذا الجمال البلاستيكي المزيف.
إن أكثر ما يحزنني من توسع هذه الظاهرة هو النمو العكسي الحاصل، فكلما غرق الناس في بئر الجمال الظاهري المُصطنع خسروا أضعافه من رصيد جمال المَخبَر، وهو أمر طبيعي لأن التصنُّع لا يمكن أن يتقبل التواضع، والخداع لا يوافق المصداقية، والتطلُّب لا يتماشى مع القناعة.
وأخيراً كل رجائي هو أن يعيد المربون توجيه بوصلة الاهتمامات فيمن يتلقون عنهم كي نعيد إصلاح ما انتشر من أضرار الوجوه البلاستيكية.

كُتب في الأصل بتاريخ 2017-07-13

الاثنين، 16 يوليو 2018

قناديل المحبة

قناديل همساتها تطلق أنوار طفولتها الهادئة ، تميل براعة رقصاتها لتستفز سواد غيوم الأيام السالفة ، فتفتح صناديق الماضي المُقفرة ، و تمرر غيمة راحتها فتُزهر في روحه الأيام ..و تضحك الصناديق.. كل شيء يكسوه البياض ، لقد عاد للكون إنسان

الأحد، 13 مايو 2018

سذاجة الأحزان

الحزن هو ذلك الكأس المُر الممزوج بالغمّ المُتكدِّر .. و المُوقدُ بشعلةِ الكرب المُتجبِّر .. تتلوه دمعات الحُرقةِ تقع على صفحةِ القلب ،فيهتز و يرتجف.. و ينبض و يعتصر ..
فإذا الدمع على الوجنتين جفّ .. و سواد الغيوم عن الفضاء قد خفّ .. و الجفن الكسير إلى النور قد رفّ .. ضرب المحزونُ كفاً بكف .. و عن بهجة الحي
اة مال و عفّ .. و بظلمة الأفكار نفسه حفّ ..
فكيف إذا هو أوقد شعلة الإقدام من البداية ! و عارك أجناد الحزن في دراية .. و دفّأ روحه في عناية .. أما كانت نفسه أولى بالرعاية ؟ و ظمأة صدره أحق بالسقاية .. لكنه اختار أقسى حكاية .. و أهمل حياة القلب  دونما حماية ..
فيا لبيب العقل .. سل نفسك عن الحزن .. أما له من نهاية؟

السبت، 7 أبريل 2018

لجم الأفاعي

تكلمت في المقال السابق عما أسميته أخلاق الأفاعي و التي لو أردت اختصارها فهي تشتمل على الغدر و الخيانة و الأنانية المفرطة و الانتهازية و النفاق ، وكما أن الرد على الأفعى بأسلوبها يوقعك في ثوبها فإن العلاج الأسلم لهذه الأفاعي البشرية لجْمُها بما عبرتُ عنه في المقال السابق بـ(أخلاق الجبال) و قد اخترت هذا التعبير لما يحمل من معانٍ عظيمة سأسرد بعضها :

أولاً - الثبات : و هو من أبرز صفات الجبال حتى أُطلق المثل العاميّ ( يا جبل ما يهزك ريح )  ، و ميزة هذه الصفة أن كثيراً ممن يتعرضون للكيد و الأذى يصابون بالإحباط من صدقهم و عفويتهم و هو ما قد يؤدي بهم للتراجع عن التعامل مع الآخرين و الاحتكاك بهم أو بالانقلاب إلى العدوانية لحماية أنفسهم و كلاهما دلائل على ضعف ثباتهم ، و أقوى ما يدعم ثبات الإنسان على موقف أو قناعة التحقق من أدلة هذا الموقف و أسبابه فلو ثبت لنا سلامته و قوته ازددنا قناعة و نتيجة القناعة المزيد من الثبات على الموقف مهما كانت درجة هذا الموقف صغيراً كان أم كبيراً مهماً أو ثانوياً ، و مع هذا فإن الوصف الأرقى للجبال في هذا المجال قوله تعالى: ( و جعلنا الجبال اوتاداً) فهو ليس ثابتاً لنفسه فقط لكن ثباته يتعدى لمن هم حوله.

ثانياً - الهدوء : و هو مخالف لهدوء الأفاعي ، فهدوء الأفاعي منطوٍ على مآرب لا تستطيع البوح بها كي لا تَفسُد أغراضها أو لا تُكره لسوء ما تخفيه ، أما الجبال فهدوؤها هدوء ثقة و هدوء تحفظ فهي  لا تحتاج أن تخبر أحداًعن مدى ثباتها أو صلابتها  او ارتفاعها لأن من أراد معرفة الحقيقة فهي ظاهرة أمامه و من أراد نكرانها فهي حقيقة لا تتغير بالآراء ، كما أن الكتمان - في الخير- أمر لا ضير فيه مالم يكن فيه إضرار بأحد أو سلب لأمر غير مشروع.

ثالثاً - سهولة الجانب : فلكل جبل مهما كانت وعورته سهول تحفه و طرق توصل الناس و تقربهم إليه و كلما زادت و سهُلت هذه الطرق ازداد تقرب الناس منه و محبتهم له و ميلهم نحو كتفيه ، أما إذا بالغ في وعورته فإما سيهجره الناس أو سيشقون الطرق نحوه عنوة عنه و هو ما قد يشوه مظهره.

رابعاً - الشموخ : و الجبل بطبعه شديد العلو ، مترفع عن القيعان ، و أعجب ملامح شموخه أن الناس تتسلق أكتافه و تستخدمه لترتفع فلا يتهز لانتهازهم علوه فيبقى عالياً ، لأنهم مهما حاولوا الارتفاع لم يعلوا عليه ثم يبقى شامخاً و هم ينزلون ، والسبب أن الشموخ صفة أصلية فيه لا يتكلفها ولا يتصنعها كما يحاول المنتهزوون.

خامساً - رقة القلب : قال تعالى: ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) و هنا يكمن العجب العجاب الذي مهما سعينا لمعرفته لما وصلنا له لأننا لا نرى سوى الظاهر من صلابة تلك الجبال الشماء ، و لولا ما أخبرنا به القرآن لما علمنا حجم الرقة و الخشوع الكامن في قلوبها التي إذا لامستها عذوبة القرآن و آيات الله تشققت و ارتعشت و إذا مرت بها حدوده وقفت و استسلمت ، و هذا الخضوع للحدود و الخشوع لرقة المعاني هو ما يُمدها بقوتها و صلابتها لعلمها أن تلك الصلابة و القوة ليست إلا في سبيل الحق و العدل.

و أخيراً - فإن للأفاعي أشكالاً متعددة وأنواعاً متزايدة ، فقد تتمثل في أشخاص عاديين منهم الصديق و القريب و الغريب أو قد تظهر في شكل أَعلام كمثقف أو إعلامي أو مفتٍ و قد نراها في صورة كيانات كالكيان الصهيوني أو ملالي إيران أو قنوات الدجل و التحريض المعسول ، ولكن الأهم من البحث عن هذه الأشكال التحلي بأخلاق الجبال لأنها هي الكفيلة بلجم سموم الأفاعي.


الثلاثاء، 13 مارس 2018

أخلاق الأفاعي

إذا كنت من الذين يسبق انتهازهم للفرص فحيح صامت طويل ، أو يعجزون السير بخطواتهم - الملساء دائماً - منتصبين مستقيمين نحو بغيتهم ، أو أنك مستعد للارتداد سريعاً بأنيابك الخفية نحو وجبة دمٍ مشبعة فاخرة ... فاعلم أنك تمتلك بامتياز وسام أخلاق الأفاعي ، و قبل أن تسمح لابتسامة الانتصار في الارتسام على شفتيك لأن عقلك قد بدأ يعرض الكثير من صور الأشخاص الحاصلين على هذا الوسام وقبل أن ترسل إليهم هذه المقالة نكاية فيهم بحجة النصيحة فإني أرجو منك عزيزي القارئ أن تراجع نفسك أولاً و تتأكد من سلامتك من تلك الصفات فإن وجد شيء منها فتأكد أنك وضعت يدك على نقطة القصور في نفسك و أقنعتها بضرورة معالجتها ، أتدري لماذا؟

لأن أخلاق الأفاعي الوارد نماذجها أعلاه تشتمل على حزمة ضخمة من قبائح الصفات و مساوئ الآثار ، أولها كره الناس لك لأنك مهما احترفت المواربة فلن تستطيع كتم رائحة الغدر و لن تستلذ بطعم النصر الملطخ بسواد البغض ، و لأن الأفعى تقتلها أفعى مثلها و خطواتك الليلية المستترة تسير خلفها خطوات لا تعلم عددها ، و سمُّك الذي تشحذه تحيط به سموم أشد فتكاً ، فإن تجاسرت و نفثت شوك جوفك وقعت في هاوية عميقة الأشواك ، و كما أن البعوضة تدمي مقلة الأسد فشوك الأزهار أو مناقير الحمائم قد تثقب عين أفعى ، و لكن أخطر مساوئ هذه الصفات إفساد نقاوة الواحة التي تقع فيها ، فالسموم المتناثرة و الضربات المتبادلة إن هي لم تقتل أصابت الجميع بالمرض...

و لذلك فإن الرد بالمثل ليس نجاحاً على الدوام ، و خير دواء لفاسد الأخلاق حُسنها و كما أن أخلاق الأفاعي هي سرطان المجتمعات فإن علاجها و أحسن صد لها يكون بأخلاق الجبال ، فما تكون أخلاق الجبال؟؟
هذا هو موضوع المقالة القادمة

الأربعاء، 7 مارس 2018

حرب الشوارع

و هذا العنوان لا يمت لما يجري في العراق أو سوريا أو اليمن بصلة ، إنما هو أدق وصف أراه لما نعايشه في شوارعنا بشكل يومي بسبب أخلاقيات قيادة السيارات لدينا ، و أكاد أجزم أن الكل يتفق بأن هذه الحالة كفيلة باستهلاك الجهاز العصبي و تقصير العمر ، و كأحد السائقين المُعانين من هذا الموضوع فإني أجد أن مسألة تركيز إدارات المرور على المخالفات الظاهرة - كالسرعة و ربط الحزام و استخدام الجوال- ليس كافياً أبداً ، و في ظني أن من أبرز المشاكل التي نعاني منها (التجاوز و التهور في القيادة ، التكدس عند المنعطفات الحرة ، عدم مراعاة تدرج السرعات بين المسارات المختلفة) .

و عليه فإني أتقدم بالاقتراحات الآتية لعل فيها ما يساهم في تقليص المعاناة من المشكلات المطروحة أعلاه:

أولاً : تطوير مدارس تعليم القيادة بحيث تؤهل السائقين - خاصة من تكون قيادة السيارة مهنة بالنسبة لهم - عبر حصص دراسية و عملية لا تقل مدتها عن شهر و لا تزيد عن ستة أشهر ، و يُفترض أن تزيد هذه المدة لسائقي الأجرة و النقل العام ، و يجب أن يكون التدريب شاملاً لفهم الأنظمة و تطبيقها خارج المدرسة و تكوين ثقافة متكاملة تتجاوز مجرد تحريك السيارة - و تلبيقها -

ثانياً : رقع مستوى صرامة الأنظمة على قطاع النقل العام بكل فئاته ، لأن أخطاء القيادة باتت متزايدة لديهم و وظاهرة لا يمكن السكوت عنها و هو ما يؤدي باستمرار لحوادث كارثية و أضرار كبيرة.

ثالثاً : من الواجب و المهم جداً استثمار مناهج التعليم - بدءً من مرحلة الروضة و حتى آخر مراحل التعليم الجامعي -  لغرس أخلاقيات قيادة السيارة الصحيحة ، و أقترح أن تُصبح أحد المواد التي تُدرّس في المرحلة الثانوية أو الجامعية ليجمع التدريب بين المهارة و الثقافة و الأخلاق و هو ما فشلت مدارس تعليم القيادة في فعله منذ تأسيسها.

رابعاً : لقد أصبح واقعاً دخول العنصر النسائي في خضم عالم قيادة السيارة لدينا ، و عليه فإني أقترح أن يُضاف لتدريب النساء مواداً في كيفية التعامل مع حالات الطوارئ و التي من ضمنها حالات التعدي او التحرش ليتعلمن كيفية حماية أنفسهن في أتون حرب شوارعنا الشعواء.

الأربعاء، 28 فبراير 2018

الكنز

في زمننا سريع التحول صرنا نشعر بشيء من الضياع الثقافي و الاجتماعي مع عجز في إدراك المتغيرات المتلاحقة.

ووجدت أن أحد أكثر ما يعاني منه من أزعجته غربة الجيل مشكلة الأخلاق ، و باتت ذئاب الأخلاق تتلقفنا و أبناءنا و درعنا الصامت يتفتت عند كل هجوم و مستودع أسلحتنا خاوِ إلا من صدى نداءات اللوم بيننا و كأن الحل قد خُطف أو حُبس في قبو مظلم تحت عرش عدو صلب مخيف.

و لانغماس الكثير من المهتمين و التربويين في إصلاح أمر الأخلاق  يتوه جمعٌ منهم في ملاحقة الظواهر الجديدة من السلوكيات المرفوضة -وهو مهم- لكنهم يغفلون عن البناء الصحيح للخلق.

ففكرت في البحث عما يسهل هذا الأمر و خطر على بالي خلق رفيع وهو خلق ( النُبْل ) ، و لو أردت تقريب المعنى فأكثركم يعلم أن العوائل الكبرى في أوروبا كان أبناؤها يعرفون بالنبلاء كدلالة على الرقي الرفعة.

لكن أجمل وصف مر علي للنبل هو قول معاوية بن أبي سفيان (قيل لمعاوية من أسْوَدُ الناس-أسود من السيادة و الشرف و ليس سواد اللون- ؟ قال : أسخاهم نفساً حين يُسأل ، وأحسنهم في المجالس خُلقاً ، و أحلمهم حين يُستجهل -أي تقع عليه الجهالة-) 

لحظة! قبل أن تبدؤوا بتذكر من لهم صفات تناقض هذا الوصف أطلب منكم أن تغيروا الوجهة إلى تذكر أصحاب هذه الصفات الجليلة ، أتعرفون أولئك الأشخاص المترفعين عن الجدال و القيل و القال ، أتذكرون أولئك الناس الآنفين عما في يد غيرهم الناس ، الزاهدين فيما عندهم ليرضوا غيرهم أو ليتساموا عن أي قدح أو نقيصة ، تذكروا الساعين في الخير دون سؤال أو تباطؤ ، و المتعالين عن كل نقيصة تخدش أسماءهم البراقة التي كدوا ليصنعوها لتطير في علو و تغدق على الناس من عذب أخلاقها.

يقول الشاعر:

تفضل على من شئت واعنَ بأمره             فأنت و لو كان الأميرَ أميرُهُ

و كن ذا غنىً عمن تشاءُ من الورى         ولو كان سلطاناً فأنت نظيرهُ

و من كنت محتاجاً إليه وواقفاً          على طمعٍ فأنت أسيرهُ

قرائي الأعزاء ، إن قالب الأخلاق في نظري لا يُكتسب بل يُصنع صناعة و يصقل صقلاً ، وشعاره يتوارث من جيل إلى جيل ، فركزوا أنظاركم على النبل فهو كنز الأخلاق.