الثلاثاء، 6 يونيو 2023

شوك وشكوك

لن يعتريك شعور (المُنبتّ) الذي لم يقطع أرضاً ولم يبق ظهراً، كمِثل ما يعتريك إذا وقعتَ في حيرة خذلان الأحبة والأقربين، خذلان لا تعرف مبدأه من منتهاه، تتقلب فيه بين ظلام الذنب وسيف الحق،

فالكل ينثني إلى عزلة كثيبه الكئيب، آملاً جريَ ماء الحقيقة كي تروي شروخ حشائش (تصبّرت) لمّا جفّف غُول الشك يقينها، وزرع في جسمها الأشواك، 

وتشرئب تلك النفس الهزيلة كلما رفرف جناح تحسبه جناح الخلاص، فتُخيّب ظنها صفعة جناح التخلّص، وما أسهل التخلص، وما أصعبه.. وما أقسى صفعته.

صفعة تَذهَب بالبصر وقتاً، حتى يعود وقد انسلخت الدنيا عن ألوانها وتعرّت في بياض يغلبه سواد.. وطعنة السؤال الحائر لا تبرد ولا تلين، أخاذل أنا أم مخذول !!

السبت، 22 أبريل 2023

ملابس أطفال مكة في عيد الفطر قبل قرن من الزمان

🔸️يقول الشيخ محمد عمر رفيع رحمه الله (1317هـ - 1398هـ)

(..وكان لأهل مكة اهتمام واعتناء بتجميل ألبسة أطفالهم في عيد الفطر للمباهاة وإظهار النعمة والسخاء في الصرف، فقد كانت لي جبة من المخمل الأسود مرصعة في وسط الظهر، وعلى سحاف الذيل وأطراف الأكمام بكواكب (أزارير من فضة) مطلي بعضها بالذهب،

ومع هذه الجبة شاية من قماش يسمى (ريزة) وهو قماش محاك بالحرير وخيوط الفضة مطلية بالذهب، وعمامة من الخيزران -يقصد طاقة العمامة- المُلبس بالمخمل الأسود من جنس الجبة، وفي وسط الرأس قرص من الفضة من صنع محلي مزخرف،

ويلف على العمامة قطعة من شاش أبيض، ثم يلبَّس هذا الشاش بلفائف مطرزة بالقصب الذهبي الوهاج، ويحتزم على الشاية بحزام من المخمل من لون الجبة ما كان من الفضة من صنع محلي.

هذه التقاليد في لباس الأطفال دخلت في خبر كان، فقد اقتصر اللباس على الثوب والكوت من الأقمشة الحريرية، ومشلح صغير على طوله، وغترة بيضاء إما سادة أو محلاة بتطريز من القصب، وبدل الشطافة عقال صغير مقصب.)

🔸️أما الشيخ محمد علي مغربي رحمه الله (1334هـ - 1417هـ) فقد أضاف أن أهل الحجاز كانوا يحرصون على أن يلبس الأولاد الجبة والعمامة، أما الجبة فيصنعها الخياط، ولكن مشكلة العمامة ليست فيها بل في لفها..

ثم يقول:( ..ولكن هناك رجال اشتهروا بالتفنن في إتقان لفة العمامة لتظهر بشكل جميل.. وكان الناس وخاصة الصغار الذين لا يلبسون العمائم إلا في المناسبات يلجؤون إلى هؤلاء المشاهير في لف العمامة ليقوموا بلف عمائمهم،

وكان من أشهرهم في مدينة ‎جدة الشيخ إبراهيم الصبان -من كبار تجار الجلود- وكنا نلجأ إليه في المناسبات الهامة كالأعياد أو الحفلات المدرسية بعمائمنا ليلفها لنا،

وكنا نقضي الساعة تلو الساعة انتظاراً لأخذ العمامة من كثرة إقبال الناس على الرجل، ونراه وهو عاكف على لف العمامة تلو الأخرى دون ضجر، وقد انتهى عهد العمامة بعد أن شاع لبس العباءة العربية والعقال..)

جميع الصور منقولة من حساب الأستاذة غادة المهنا أبا الخيل على تويتر @GAbalkhail

الأحد، 12 فبراير 2023

يانور العين

كنت منذ مدة أستمع لبعض الأغاني الخليجية القديمة وأكثرها لطلال مداح -رحمه الله- ومحمد عبده، ثم فاجأني اليوتيوب بعرض أغنية (يانور العين) لفنان كويتي لم أكن أعرفه واسمه (يوسف المطرف-رحمه الله-)، وما جهلي به إلا لضعفي في الفن الخليجي بشكل عام وليس نقصاً فيه أبداً.

سمعت الأغنية بسرعة -أي بدون تركيز- لأني كنت أقود السيارة، ولما رجعت البيت وجدتني أبحث عن تلك النغمة التي مرت على أسماعي ومازالت تعزف صدى لحنها في زاوية كانت ساكنة في أقصى عقلي،

فلما وجدتها، وجدتني أثبت التشغيل عليها، وجعلتها تتكرر وتترردد على مدى يومين شبه كاملين، في غدوتي وروحتي وأثناء عملي، أسمها بإمعان وعرضاً بلا استماع.

ثم صرت أسأل نفسي: مالذي علّق هذه الأغنية بالذات في ذهني مع أني لا أرى في كلماتها أو أدائها أي تعقيدات موسيقية أو قفزة فنية تخلتف عما ألفته في الفن من أعلاه إلى منتهاه.

أهو اللحن؟ أهي الموسيقى؟ أم الأداء؟

فوجدت أخيراً أن يوسف المطرف -رحمه الله- لم يكن يغني، بل كان في حالة اندماج تام بالكلمات واللحن والعود، حتى استطاع أن يكون هو المتكلم نفسه في كلمات الأغنية، ولقد كنت أسمع تهدج النفس في صدره مع خروج الكلمات وارتفاع نبرته ثم انخفاضها تبعاً للحالة الموصوفة،

كل ذلك كان في كفة وتعابير وجهه ولمعة عينيه كانت في كفة ثانية.

أليس هذا ما ينسميه (الإحساس)، بلى هو كذلك وهو أيضاً ما افتقدته أكثر الأعمال الفنية اليوم.

والحقيقة أني وبعد كل مرات تكرار الأغنية بحثت عن تسجيلات أخرى لها، فوجدت أكثر من تسجيل للفنان نفسه ولكني لم أجد فيها ذات الإحساس في التسجيل الأول مع أن كلمات الأغنية كان ناقصة فيه، ثم وجدت لابنه (مطرف المطرف) أكثر من تسجيل للأغنية نفسها وهي جميلة خصوصاً الذي كان في موسم الرياض، وأيضاً لم يكن شيء بتدفق إحساس التسجيل الأول عام ١٩٩٣م

وأخيراً رحم الله الفنان يوسف المطرف وغفر له


السبت، 27 أغسطس 2022

ما تبنيلوش

أتردد على أحد المقاهي المعروفة في جدة، وقد تكونت علاقة مودة بيني وبين المشرف المصري الذي يشرف على الخدمة في المكان، 

وفي أحد أحاديثنا المطولة وهو يحكي لي عن ابنه وبناته وعن مدى فخره بما حققوه من تفوق علمي،

 حكى لي عن ابنته الكبرى التي تخرجت من الثانوية العامة بنسبة ٩٩،٦% وأنها على وشك إتمام سنة الامتياز في كلية الطب مع زوجها الذي كان زميلاً لها منذ الصف الأول الابتدائي،

وعن ابنه الذي تخرج بتفوق من أحد المدارس العالمية بعد أن درس الصف الأول الثانوي في الولايات المتحدة ضمن منحة دراسية قدمتها الحكومة للطلبة المتفوقين، وهو الآن في سنته الأولى كطالب بقسم علم الأجنة،

  ولولا ضيق الوقت لكان حكى لي عن ابنته الصغرى التي تخرجت مؤخراً بتفوق من الثانوية العامة، 

لم أكد أتمالك نفسي عندما كانت تلمع عيناه و يتهدج صوته وهو يحكي كل لقطة من لقطات قصة كفاحه في الغربة التي امتدت ثلاثين عاماً بالتمام والكمال، حتى أنه لما قال: (قضيت في الغربة..) استدرك ثم قال: ( بل هي ليست غربة فقد صار أهل هذا البلد أهلي و ناسي وقد شعرت بوفاء كبير منهم كالذي يكون بين الأهل أو أكثر)، 

ثم قال: (لقد أعطتني هذه البلد فوق ما كنت أتوقع أول ما أتيت، وقد كانت رؤيتي محصورة في شي واحد وهو تعليم أطفالي فسخّرت كل إمكانياتي لهذا الهدف الوحيد)، 

ثم سألني: (أتعرف لماذا يا أستاذ خالد؟)
 قلت: (لماذا؟)
قال : (لأن أبي وصاني بوصية في شبابي مازلت أحفظها و أتبع نصها الذي يقول:( ابني ابنك وما تبنيلوش)

الاثنين، 13 يونيو 2022

جفوة الحبيب بين شوقي والقيرواني

لا يعرف كثير من الناس يعرف أن قصيدة أحمد شوقي ت١٣٥١هـ (مضناك جفاه مرقده) الواقعة في قرابة الثلاثين بيتاً والتي تغنى بها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب  وتبعه غيره، هي *معارضة لقصيدة (ياليل الصب متى غده) الواقعة في قرابة المائة بيتٍ للشاعر الأندلسي علي القيرواني ت٤٨٨هـ وشدَتْ بها عدة مطربات كنور الهدى وفيروز وغيرهما.

وبالنظر للقصيدتين نجد وصف القيرواني نظرة الحبيب كما يلي:

ينضُو مِنْ مُقْلتِه سيْفاً
وكأَنَّ نُعاساً يُغْمدُهُ

فيُريقُ دمَ العشّاقِ به
والويلُ لمن يتقلّدهُ

كلّا لا ذنْبَ لمن قَتَلَتْ
عيناه ولم تَقتُلْ يدهُ

يا من جَحَدتْ عيناه دمِي
وعلى خدَّيْه توَرُّدهُ

خدّاكَ قد اِعْتَرَفا بدمِي
فعلامَ جفونُك تجْحَدهُ

ثم نجد أن شوقي وصف ذات الحالة كما يلي: 

جَحَدَت عَيناكَ زَكِيَّ دَمي
أَكَذلِكَ خَدُّكَ يَجحَدُهُ

قَد عَزَّ شُهودي إِذ رَمَتا
فَأَشَرتُ لِخَدِّكَ أُشهِدُهُ

ولاشك أن القيرواني بذكره دقائق مشاعر الحبيب تجاه نظرة محبوبته قد أجاد واستطاع أن يلامس أحاسيس العشاق، بعكس شوقي الذي أعاد صياغة الفكرة دون أن يضيف أي معنى من جهته فلا هو ذكر سبب الجراح ولا عن سبب إنكار العينين ذلك.

وكم هو عميق تشبيه عيون المحبوبة بالسيف الذي يقتل عاشقها ويضرجه في جراحه، ولا أظن هذه الحالة تكون إلا في لقاء بعّدت فيه المجافاة الحبيبين، فيكون إنكار العيون علاقة سرّيةً لا يعرفها إلا الحبيبين فيكون وقع النظرة أشد وهي تخفي ذلك الحب، وهذا يذكرنا بالقول المشهور لجرير:

إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ
قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا

يَصرَعنَ ذا اللُبَّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ
وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا

 والحقيقة أني أرى شوقي قد قصّر في قصيدته عن الاستفاضة في بعض الأوصاف التي تتطلب شرحاً أو توضيحاً -كما في المثال السابق- ،وكأنه اعتمد على خلفية المتلقي ومعرفته بالقصيدة الأصلية، وهو ما جعلها تُصنَّف ككقصيدة صعبة الفهم علينا كعامّة فانحسر تداول حتى نسختها المُغناة بين أسماع النخبة -ولست منهم من قريب ولا بعيد-

ومع هذا فلا يمكن لمتذوق للشعر أن ينكر إبداع شوقي في معارضة القصيدة، فمما تفرد به مضاهاة جمال الحبيب بجمال يوسف عليه السلام بقوله:

الحُسنُ حَلَفتُ بِيوسُفِهِ
وَالسورَةِ إِنَّكَ مُفرَدُهُ

قَد وَدَّ جَمالَكَ أَو قَبَساً
حَوراءُ الخُلدِ وَأَمرَدُهُ

وَتَمَنَّت كُلُّ مُقَطَّعَةٍ
يَدَها لَو تُبعَثُ تَشهَدُهُ

وفي زاوية ثانية نجد القيرواني يضع محبوبته في منزلة المُلك والتصرف بل وبالغ حتى أوصلها مرحلة الألوهية ثم أتى على وصف المسجد الذي سيصلي فيه ليتقرب إليها:

أمُحِبُّكَ يدخُلُ مَجْلسه
فيقال أهَذَا مَسْجدُهُ

لا بُسْط به إلا حُصرٌ
فعسى نعماكَ تمَهِّدهُ

فاِبعَث لمُصَلٍّ أَبْسِطَةً
في الصَّفِّ لِيحْسُن مَقْعَدُهُ

وَعساك إذا أنعَمْتَ به
من صاحِبِهِ لا تُفْرِدُهُ

باِثنين يُغَطّى البَيتُ ولا
يُكْسَي بالفرْدِ مُجَرَّدُهُ

فأتى شوقي وكأنه استحى أن يوصل محبوبته لتلك المنزلة فجعل قلبه هو المعبد الذي يحمل صفات الكنائس ما يبين تأثره بالثقافة الغربية التي احتك بها -وهو ما كان سيستحي منه القيرواني أيضاً وهو الذي عاش في أقصى الغرب ولم ينزل عن ثقافته العربية شبراً- بقوله:

ناقوس القلب يدقّ لهُ
وحنايا الأضلع معبُدهُ

وأثناء اطلاعي المقتضب على الموضوع وجدت أن قصيدة القيرواني (ياليل الصب متى غده) قد بلغت من الشهرة والاستحسان أن عارضها شعراء كبار كثر من بعده، ويبدو أنها كانت من معايير الحكم على الإبداع في منافسات الشعراء في مجالسهم.

لعلي أنتهز الفرصة لأستحث نفسي والسامعين -أعني المهتمين بسماع القصائد المغناة- على وجه الخصوص أن يعودوا لشروح القصائد الفصيحة الصعبة لأن ذلك يفتح لهم أبواب التعمق في القصيدة ومعرفة المراد بها والوصول إلى أقصى درجات المتعة والانسجام مع القصيدة.
_____________________
*المعارضة في الشعر: أن يكتب الشاعر قصيدة على وزن وقافية قصيدة لشاعر آخر، وقد تتحدث عن الموضوع نفسه أو ترد عليه، مثل النموذج الذي بين أيدينا.

الخميس، 9 يونيو 2022

هل نقول للناس حسناً؟ .. أم نجهر بالسوء؟

لما مررت بقوله تعالى في سورة البقرة: (وقولوا للناس حسناً..) تعجبت من هذه الوصية الربانية التي تبدو سهلة التطبيق، ولكنها في يومنا هذا آخذة في الاندثار، مع أن هذه الوصية بالتحديد قد تكررت بشكل مباشر في أكثر من موضع في القرآن الكريم قال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) ،وقال جل ثناؤه: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).

إذاً فإن هذه الوصية المهمة ليست مقتصرة على الكلام العام والمجاملات في المناسبات أو عند ذكر الأموات، بل يدخل فيه حال الجدال والخلاف حتى وإن كان المخالف من (أشد الناس عداوة للذين آمنو).

ولو أتى تجاهل هذه الوصية المؤكدة من باب الغفلة والنسيان لكان الأمر هيناً، ولكن المؤسف في يومنا هذا أن نجد من يتعمد تأويل النص وصرفه عن معناه الظاهر، بل تصل ببعضهم الجرأة أن يستخدم نصوصاً قرآنية أخرى لتبرير سوء أدبهم وفساد ألسنتهم، فيتجاوزون بهذا الموقف سوء أدبهم مع الناس إلى سوء الأدب مع الخالق سبحانه،

فنجد هؤلاء المسيئين يتذرعون بقوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) فيسعى أصاحب البذاءة والإساءة إلى إقحام أنفسهم في خانة المظلومين ليستعملوا الآية درعاً يتقون به نصائح الناصحين، 

ولما تفكرت في هذه الآية، وليقيني أن الآية لا يمكن أن تفتح باباً لظلم الآخرين، وأنّ تخفي الظالم في ثياب المظلوم لن يُقبل عند من فهم الآية فهماً سليماً، وأن الجهر بالسوء ليس مفتوحاً لكل أحد،

خطر بذهني أن حالة الظلم الواردة في الآية تقتضي أن تكون العلاقة بين الظالم والمظلوم علاقة ندية أو علاقة قوي بضعيف، والعلاقة الندية تكون فيه القوى متكافئة ولكن الظالم اقتدر على المظلوم بالكيد والغدر فتمكن منه، وأما الضعف فله حالات ومنها: المرض وضعف الجسم، قلة المال، مرض العقل. وهذه مظاهر للضعف الذاتي، وللضعف مظاهر أخرى معنوية أو خارجية ومنها: ضعف النفوذ، قلة الأنصار. ومثاله قوله تعالى: (حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا).

ولكني أردت أن أجد من أقوال العلماء ما يؤيد هذه الفكرة التي توضح طبيعة العلاقة بين الظالم والمظلوم، فوجدت قولاً دقيقاً للإمام القرطبي في تفسيره قوله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) قال: (..وقال علماؤنا : هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت ، وأما إذا تفاوتت ، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب ؛ وهذا صحيح وعليه تدل الآثار)

وهنا نعود للسؤال الأول: هل نقول للناس حسناً؟ .. أم نجهر بالسوء؟

والحقيقة الشرعية والإنسانية المعلومة أن القول الحسن هو الواجب، وأما الجهر بالسوء فلا يكون إلا لهدف واحد وهو إحقاق الحق، فاعلم أنك إن جهرت هنا وهناك بهدف الانتقام والتشغيب وتشويه السمعة فقد خرجت عن الحد المسموح ووقعت في الخطيئة، أتعرف لماذا؟ لأنه تعالى قال في بداية الآية (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) ثم استثنى لتعرف أن الأصل هو الرفض، 

واليوم تعددت وسائل استرجاع الحقوق وحفظها، عبر الشُرط والمحاكم الشرعية، والجهات الرقابية، وتقديم الشكوى لهذه الجهات يعد من (الجهر) بما وقع عليك من سوء،

وللإمام الشعراوي لفتة لطيفة في تعليقه على الآية: (إنه سبحانه وتعالى يريد أن يحمى آذان المجتمع الإيمانى من قالات السوء.. أى من الألفاظ الرديئة؛ لأننا نعلم أن الناس إنما تتكلم بما تسمع، فاللفظ الذى لا تسمعه الأذن لا تجد لسانا يتكلم به..)

وختاماً: احذر أن تكون ممن التصقت به صفة (الجهر بالسوء من القول) فصار خُلُقهم (السوء) سراً وجهراً.

الجمعة، 20 مايو 2022

حضرتك

من أجمل ما في اللهجة المصرية قولهم (حضرتك) وهي كلمة تميزهم عن كل الشعوب العربية الأخرى، 

وقولهم (حضرتك) يسبق غالباً تقديم طلب أو نداء الأشخاص الذين توجب العادة الاجتماعية احترامهم، كالوالدين والأخوة إذا كان الفارق العمري كبيراً، ويصل ذلك الاحترام حتى لمدير العمل إذا كان فارق العمر واضحاً أيضاً.

وانظر مثلاً إلى الفارق الشاسع بين قول ابنك لك (أعطيك لبن ولا عصير) أو قوله (حضرتك تحب لبن ولا عصير)، وبمقارنة الصيغتين ستتذكر كثيراً من مظاهر مستنكرة مرت بك لأطفال يكلمون آباءهم والحوار لا يبين أياً منهما الأب، ثم تعود وتتذكر كم هو جميل استعمال مثل هذه الكلمات التي تعزز هذا الاحترام الواجب.

صحيح أن مثل هذه المظاهر بدأت تتأثر وتضعف بفعل التقلبات الاجتماعية المتسارعة، لكن بعض الأسر مازالت تحرص عليها وتصر على غرسها في تربية أبنائها، وأتمنى أن تبقى هذه الأخلاقيات الجميلة ولو في محيط الأسرة على أقل تقدير.

اللطيف في الأمر أن هذه الكلمة (حضرتك) انتقلت إلينا في مدن وحواضر غرب المملكة بفعل الأواصر الاجتماعية بين البلدين، ولكنها تغلبت في صيغة مختلفة وهي السخرية، فإذا قال أحدهم للآخر (حضرتك اللي قلت) فلتعلم أن المتكلم رافض هذا القول وهو ساخر منه على الأغلب.

وختاماً أقدم كل التقدير لكم حضرات الأحبة والأصدقاء.