الأربعاء، 10 يونيو 2026

أرقى الأشواق

أخبرني عمي محمد بن عوض العباسي رحمهم الله -ت محرم ١٤٤١ هـ‍- قال: (كان جدك عبدالله رحمه الله قليل الكلام - ت١٤١٣هـ‍ -، لا يهتم لأكثر حديثنا عن أمور الدنيا وقلّما يستفزه موضوع من الموضوعات العامة، فكنا إذا زرناه في جدة ونحن شباب نحب أن نسليه وقد أصاب الكبَرُ أركانه وهو يمخر عباب الثمانين، فنكلمه ونسأله عن الأحوال ونأتيه بالأخبار والأحداث، فلا يستجيب إلا لموضوع واحد، إنه الحديث عن مكة وأهل مكة، كنا نحكي له عن جوّها وأهلها وما استجد فيها، فيلتفت إلينا بكل انتباهه وعاطفته، ويسألنا المزيد عن أخبارها، ويبدي التعطش للكلام عنها والحنين لأهلها وأرجاءها، ويستذكر شبابه وفتوّته فيها، ومع ما كان يبدو من تأثره بذكرها، إلا أن إبداء الشوق لها كان يسليه ويسعده).

تذكرت هذا الموقف الذي حكاه لي عمي رحمه الله - عام ١٤٣٦ هـ‍- لما قرأت الموقف النبوي الآتي: جاء في الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر :أن أُصَيل
الهذلي -ويقال الغفاري- قدم على النبي ﷺ من مكة (إلى المدينة)، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا أصيل، كيف تركت مكة؟ قال: تركتها حين ابيضت أباطحها، وأرغل ثَمامُها، وامتشر سلمُها، وأعذق إذخرها، فقالت عائشة: يا رسول الله ألا تسمع ما يقول أصيل؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا تشوقنا يا أُصَيل -أو كلمة نحوها-».

والموضوع هنا هو خصوصية هذا العشق الأصيل بين مكة وأهلها، والذي لا يمكن بأي حال تشبيهه بحب مسقط الرأس عند غيرهم، فمهما كان عمق الحنين الأبدي لأول منزل كما وصفه أبو تمام، إلا أن حنين المكيّ لمكة يفوق الحنين لأي أرض أضعافاً مضاعفة، ذلك أن روح المكي دائمة الطواف حول البيت العتيق، وكيانه مبني وهو مولٍ وجهه شطر المسجد الحرام، وجسمه نابت بسقيا زمزم، وسمعه ناشئ على صوت الأذان والذكر والصلاة، وهل يضاهي ظل بناء الحرم ظلاً؟ أو هل يشابه صوت الأذان والصلوات وتلبية الحجاج صوتاً؟ وكل حياة المكي في تأهب لاستقبال ضيوف الرحمن الذين هوت أفئدتهم إليه من كل فج عميق.

 أفلا يجعل ذلك العيش في مكة والنشوء فيها امتيازاً لا يضاهى؟ وحباً لا يجارى؟ 

ومن أعذب ما ورد في مشاعر الصحابة لما عادوا إلى مكة يوم الفتح، مانُقل عن الصحابي الجليل عبدالله بن أم مكتوم وهو آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ في الطواف، ومع أنه فاقد نعمة البصر إلا أنه كان يردد:

يا حبذا مكة من وادي
بها أرضي وعوادي

بها ترسخ أوتادي
بها أمشي بلا هادي

السبت، 7 فبراير 2026

سلعة القسم

تظهر لي مقاطع دعايات تجارية تبدأ بحلف وقسم كثير، وقد استكبرتْ ذلك نفسي، فالشرع لا يؤيد هذا السلوك أبداً، ولذلك أسباب كثيرة، منها أن البائع على الأغلب لا يعرِض سلعة صنعها بنفسه، فإذا حلف على جودتها واستقوى باليمين ليبيع فصدقه الناس ثم ظهر بطلان حلفه شكّك الناس في كل من يحلف قال تعالى: "ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم.." الآية

وحتى لو كان حلفه صحيحاً وسلعته ممتازة فهو مكروه لما في ذلك من إحراج للمشتري وبث هذه العادة المستنكرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة" أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما..

كل ما ذكرتُه أعلاه على اعتبار سلامة نية البائع، أما إذا كان يحلف عامداً الكذب ففعله أشنع وعقابه أشد، فعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" قال : فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار، وقال أبو ذر : خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال : "المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" أخرجه مسلم..

الاثنين، 26 يناير 2026

سيف بيت المال

أخبرني عمي محمد (ت١٤٤١هـ)، قال: "لما توفي عمي عبدالقادر (١٣٩١هـ) كنت فتى حدث السن، وأخذني والدي (ت١٤١٣هـ)
 معه لبيت عمي -رحمه الله- للنظر في أمر التركة، وكانت في مكتبه خزنة فولاذية ضخمة، وبحث والدي مع الخدم عن مفتاحها، وبعد مشقة وجدوا المفتاح، ولما فتحها والدي وجد بداخلها سيفاً غمده ومقبضه من الذهب الخالص، فسألت والدي عنه، قال: كان هذا السيف من هدايا الملك فيصل لعمك وهو في فترة عمله.

وأدهشني جمال السيف، ومع أني كنت طفلاً لكني عرفت أنه من مقتنيات علية القوم، فسألت والدي لما بلغ مني الفضول مبلغه: وماذا سنفعل به؟ فقال: لم يُهدَ عمك هذه الهدية إلا مكافأة لعمله في الدولة، أما وإن خدمته قد انقضت فقد انقضت حاجتنا بالمكافأة ووجب علينا ردها لبيت مال الدولة فهو من أموالها ولا حق لنا فيه،

ولدهشتي مما قال تتبعت خبر هذا السيف، وعلمت أن والدي بحث عن مقر المجلس البلدي الذي كان عمي رئيسه ولم يستدل عليه لأنه كان مجمداً وقتها، وأنه بحث عمن يستلم السيف بصفة رسمية فلم يجد، حتى اتجه أخيراً لرئيس بلدية جدة وسلمه إياه بمحضر ورقي مكتوب". انتهى

قلت: وما هذا إلا مصداقُ الحديث النبوي الذي رواه أبو حميد الساعدي قال: "استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأسد، يقال له: ابن اللُّتَبيّة، قال عمرو: وابن أبي عمر، على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أهدي لي، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلمﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه، حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم، هل بلغت؟ مرتين" رواه البخاري

وأقول: ولو أن للحديث تفسيرات قد لا تنطبق على الواقعة ولكن التوَرُّع كله خير مالم يكن فيه أذىً قال ﷺ: (..ومِلاكُ الدِّينِ الورَعُ) الحديث، رحم الله الجميع 

الصور:
١- صورة غير ملونة: لجدي عبدالله بن محمد عثمان العباسي رحمه الله
٢- صورة ملونة: عمي محمد بن عبدالله العباسي رحمه الله
٣- صورة السيف: هو السيف الأجرب الشهير وضعتها للتشبيه فقط.


الأحد، 12 أكتوبر 2025

أظافر عمياء

بعد مسيرٍ أسير، وقف الهائم وحده عند كومة أحجار مردومة في فلاة، وعند سكونه هبت رياح الماضي ماسحة على خديه رحيق ذكرى هو واقف عند حافة ضريحها الغريب، تمطر رباب السماء بقع نور على أحجاره الباردة، فتبعث من شِقّ الضريح طفلةً غضة لا تشبه سوى نفسها أيام نشاطها، تطير مبتهجة لتحرر أسرى النسيان، ويتلو الطفلة أطفال وفتيان وفتيات، كلهم منطلقون وتعلو جريهم ضحكات بريئة جريئة، كل الأمل والفرح مزهر فيها، وحول أزهارهم المبثوثة فراشات تستقي ألوانها منها.

ثم وهو في صحوة بهجته التي ظنها عادت كما كانت وأنه قد ينضم للعب الأطفال المحلقين أمامه، ينفر غول من ذلك الضريح المعتم، وينشب مخالبه العمياء في صدر الواقف المحتار، ومع تقطيعها عروقه تتفسخ كل تلك المظاهر الأليفة وتظهر من خلفها حرائق الآلام، ويقفز الغول عائداً إلى مرقده مُرجعاً كل شيء كما كان، إلا من لهيب أظفاره الذي تركه مستعراً في صدره المهزوم بنار الشوق الموقدة، ووشم يقول: 

ما الذي سيدوم؟

الجمعة، 5 سبتمبر 2025

أفكار دمية - قصة قصيرة

مع كل صباح، 
تتحرر هذي الدمية الخشبية من خيوط عناكب الأفكار المنسوجة حول جسدها المتصلب، وككل صباحاتها الشاحبة تبعثر تلك الخيوط الواهنة بحثاً عن خيط الحياة، أو الوفاة، وهي تدري أن أحدهما سيبقى، وسيبين لونه وضوءه ناصعاً أو قاتماً، لكنها وكالعادة لا تبصر سوى الغبار يتناثر بين أناملها وحولها من كل جانب.

بجهاد مُثقل، 
تتدرج في نهوضها المستصعب، حتى تظن أن الشلل قد قرر احتضان أطرافها هذه المرة، فتفزع واثبة وتسمع طقطقة مفاصلها، كأن جليد السبات يتكسر عنها، وتتألم، لكنه ألمٌ جبري اختارته على كوارث ومآلم أخرى لا تطيقها، فعلى الأقل كانت هي من اختار دربه أول مرة، ثم ساقها اختيارها لهذه الغابة الدهماء.

أمام المرآة الملبّدة، 
لا وجه يبدو ولا رسم، بل آثار غياية رعدية مختنقة، لا هي أمطرت فتسقي الركام، ولا رحلت لتترك للنور الفصام، وتمرر الدمية مشطها على الدخان، وحلزون الساعة يزحف مكان عقاربها، تقلّب يديها في الدُرج ثم تُخرج منه علبة قطيفية فاخرة مذهبّة الأطراف، وبعد برهة من النظر المبهم تضع غطاء العلبة جانباً لتأخذ من عمقها قطعة خشبية ثقيلة مصقولة ومرسومة بإتقان، وترفعها بتثاقل نحو وجهها..

قناع يصحو، 
وينير بملامسمة وجهها، إنه شاب وسيم المحيا، هادئ الطلة، وبسمته المحببة لا تفارقه، إنها منحوتة بعناية كما هو شاربه ذي الشعرتين البيضاء، وهندامه الفاره المحبوك، وبعد بخات عطر كثيرة، وفي ثبات مستقيم يغادر موطن الفوضى الذي ينتمي له، إلى عالم الفوضى الذي لا ينتمي له، وبصَمْت سيارة كهربائية يمخر عباب الزحام والضجيج وعواصف الصريخ، وهو لا يسمع سوى صمتَه، ولا يرى إلا ابتسامته في المرآة.

على مسرح الدمى،
تُميزه جلسته القائمة ونظرته المستقيمة في شاشته، وتُظهر انهماك العمل فيه، واستلاب شعاع الشاشة فكره وبصره، وهو على مكتبه المُرتب، كل الضجيج حوله صامت، إلا رنين أجراس كنائس الأعداء، تدق وتدق، وهو صامت لا يجيب سوى بتلك الابتسامة المنحوتة وبعض الإيماءات الآلية المكررة، وصوت النقر على لوحات المفاتيح حوله يتوالى كتصفيق جمهور المسرح القومي، وتحيته إياهم لا تتعدى تلك الابتسامة الصامتة، وربما لحقها بشبه إيماءة برأسه، ثم القرع على أحرف جهازه مِثلهم. الكل هنا يصفق، والكل يُحيي، ولخيوط التحريك المتشابكة مصدر واحد لا يعرفه أحد.

في درب الرجوع،
والشمس ناعسة الطرف من رتابة رحلة يومه الباهتة، تُسيّره الحوامة الهامدة في مدار الشهب المنبثقة، أسيراً نحو مرتكنه الذي انساق منه صباحاً، نحو المرآة، وفي مواجهتها يخرج العلبة الفاخرة من جديد، وبعد نظرة عميقة في المرآة مودعاً حتى حسنَ الملامح، ينزع القناع ويرجع بيده للوراء هاماً بقذفه بكل قوته، لعله أراد تحطيم المرآة به، لكنه يرميه داخل العلبة ويدفنها في الدرج ثم يغلقه.

إلى الأنقاض،
يهوي جسم دمية الخشب إلى مثوى رقادها، وهي راكنة تحت طبقات السواد تنمو خيوط دواخلها، وتزحف حول جسمها حتى يتوارى في أغوارها، ودبيب الساعة يحكم الصوت في فضاء المكان، ويطول السكوت تحت أنقاض الظلام.

‏غريبٌ على قارعات الطريق
فما من صديق وما من رفيق

تموت القلوب وما مخبرٍ
وفي الصّدر قفرٌ يلم الحريقْ

ظلامٌ يسد الدُنا سطوةً
فيغدو الهُمامُ بها كالغريقْ

همُ القومُ لايسأمون الجفا
وينسون أهل الوفاءِ الطّليقْ

مناراتُ ودٍّ هنا قد هوت
وكان النداء بها مستفيقْ


 

الأحد، 21 يوليو 2024

جدل في الجدل

والجدل باب واسع لايمكن إغلاقه في عالم التواصل البشري، ومع أن من الناس من يراه شراً محضاً، وأن منهم من قصر خير حياته عليه، فإنه يبقى أصلاً أصيلاً في طبع كل البشر. قال تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) (الكهف:٥٤)

وكون الجدل بكل أشكاله -منطوقاً كان أو مكتوباً- وفي كل مجالاته -شرعياً كان أو اجتماعياً أو حتى رياضياً- سيبقى رفيقاً لنا كبشر طبيعيين فيحسُن بنا أن نعرف أنواع الناس في الجدل، وقد وجدت الناس على خمسة أصناف:

١- مجادل عن حق واضح: وهو المدافع عن حقائق لا تقبل الخلاف، كثوابت العلم المُقرة، ومبادئ الإنسانية الصريحة، ومسلّمات الدين عند أتباع كل دين ومذهب، ويدخل فيها ما يؤيدها من أعراف واصطلاحات توافَق الناس عليها. قال تعالى على لسان قوم نوح عليه السلام: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) (هود:٣٢)، ومن يستطيع اليوم أن ينكر أن سيدنا نوح كان يجادل قومه دفاعاً عن حق واصح؟

٢- مجادل عن باطل واضح: وهم أتباع هوىً، أو عباد مصالح، أو منحرفون تمكن الشر من قلوبهم فصاروا أتباعه، وسخّروا أنفسهم وما يملكون لخدمته وهم على علم أنهم على خطأ ولكن غلبتهم أهواؤهم وشهواتهم، والباطل الواضح هو نقيض كل ما يعتبر حقاً واضحاً. قال تعالى: (..يجادلون في الحق بعدما تبين لهم..) الآية (الأنفال:٦).

٣- إمعة: يقول -في نفسه- إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت كما وصفه سيدنا عمر بن الخطاب، أو كما قال دريد بن الصمة:

وما أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشدِ

وما ورد في وصف سيدنا عمر وبيت ابن الصمة يصبان في قدح الحكمة الدارجة اليوم : (الموت مع الجماعة رحمة) وعلى انحراف استعمال هذه المعاني كمبرر للتبعية العمياء فهو أهون -على فداحته- ممن يجادل نصراً للأشخاص وإعراضاً عن الأفكار، ويقع هؤلاء غالباً في مرتبة الغوغاء، الذين يستعملهم أهل الشر والخبث وقوداً لمعاركهم، ملبسينهم ثوب أصحاب القضية أمام مخالفيهم، وما هم إلا إمعات خاوية مشحونة بحماس تجهل مآلاته، ومشكلة بعض هؤلاء قبولهم مرتبة الإمعة ليس جهلاً بخطأ الفكرة وإنما نصراً و(فزعة) لأشخاص يرنوهم أقرب إليهم من مخالفيهم -ولو كان الكل قريب- ولكنهم في جهل كبير من سوء الموضع الذي يضعون أنفسهم فيه. 

وقد حذر تعالى نبيه والمؤمنين من الجدال عن أهل الباطل ولو كان باطلهم خفياً وضررهم غير واضح لأن في هذا سند لباطلهم. قال تعالى : (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً*يستخفون من الناس ولا يستخون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً*ها أنتم هؤلاء جادلتهم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً) (النساء:١٠٧-١٠٩)

٤- مجادل في رأي مختلط: والمعنى أن يجادل الإنسان في قضية غير محسومة، أو أن الخلاف فيها سائع، وقد يكون الفصل في أثر ما فيها من خير وشر يعود لظرف الشخص نفسه وأثر عمله أو رأيه إن كان محدوداً على ذاته أو أنه يؤثر على من حوله أو على المجتمع عامةً، والصواب والحال كذلك ألا يطول الجدل وألا يتوسع إلا لضرورة. قال ﷺ: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً..) الحديث، حسنه الألباني.


٥- المجادل الأصفر: وهو الذي لايهدف لنتيجة معينة إنما غرضه الشق على من يقابله أو التهرب من إعلان الحقيقة، فنجده يكثر الأسئلة وتشعيب الموضوع وحشد المغالطات وتعقيد سبل الحوار بتكبير الصغائر وتصغير الكبائر والإغراق اللفظي أحياناً للحيد عن لب الموضوع، وأوضح مثال لهذا النوع سلوك بني إسرائيل حين أُمروا بذبح (بقرة)، ويهتم أكثر دارسي هذه القصة بما وضعته بني إسرائيل على نفسها من أعباء، لكن يغفل كثير منهم عن أسوأ آثار تلك الحالة الجدلية العبثية ألا وهو تعطيل إحقاق الحق أمداً طويلاً الامتثال لأمر الله بذبح البقرة ليعرف الناس حكم الشرع في جريمة قتل وقعت وكشف القاتل الحقيقي. (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياتهم لعلكم تعقلون) (البقرة:٧٣)  وأسميت هذا النوع أصفراً لشبه أسلوبه بلون البقرة.

وأخيراً: فمن المعلوم أن نصيحة أهل الحكمة المتكررة إنما هي في اجتناب الجدال ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ولكن لا يمكن أن يعني هذا الترفع التخاذل والضعف وترك الباب مفتوحاً ليعيث أهل الفكر الباطل لتفشية باطلهم دون نقاش أو تبيبن، فبيان الحق واجب وإذا استوفى حقه أتى الترفع وترك العبث لأهله.

قال ابن الرومي:

لذوي الجِدالِ إذا غَدَوْا لجِدالِهم
حُجَجٌ تضلُّ عن الهدى وتجُورُ

وهُنّ كآنيةِ الزُّجاج تصادمتْ
فهَوَتْ، وكلّ كاسرٌ مكسورُ

فالقاتلُ المقتولُ ثَمَّ لِضَعْفِه
ولِوَهْيِه، والآسِرُ المأسورُ


الجمعة، 23 فبراير 2024

حلم نحات - قصة قصيرة جداً

صوتها الطفولي الأملس، ورقة ملامحها الصديقة البريئة، وضحكتها.. يالفتنة ضحكتها إذا رصّعت حديثها بها،

أمّا أعجب ما تمْلِكه من صفات أن كلَّ من خبر تلك المحاسن انقلب نحّاتاً، وصنع لها في خياله تمثالاً لصورة الأنثى الكاملة، فإذا سكَبَت رشَفاتٍ من خمْر فكْرها المُخملي أو وَهَبتْ بعض فالوذج منْطقها الأزليّ، حلّق النحاتُ في فضاء غرامها، وأطْلق في صدره -مستسلماً- جناحَيّ عشْقها، وتعانَقتْ في نفسه الجهات، فلا يدري إلى أين هو يطير،

ولكنها تدري ! 

،فقد هدأ في حديثه معها صوته، وبرَدت تجاه تمرّدها حمْأَتُه، واضْطَرم لتغيُبها شوقه،

وهي تدري ! 

وتدري أن ما يظُنه من نفسه مُحلّقاً إنّما هو موْغل في نطاق حُكْمها، وأنّ ما ينبض في جسمه باسمها ما كان إلا نذير خصوعه لها،

ولأنها تدري،

تدير بلّوْرتها السحْرية مُطْلِقةً وميضها نحْوه، فإذا لامس عينَيه انْقَشَع عنها ثوْبها الأميري، واستحال حريرها إلى دغَلٍ خشنٍ صوفيّ، وتخبّطه خمْرها بعد نشوة حسبها دائمة، وصارت حديقةُ رقّتها كومةَ أشكواك، وتطايرت شظايا روحها المتكسرة وجرّحت كل من حولها.. وهو أولهم،

وهي تدري ! وتبكي !

فإذا انخذل النحّات بتصدّع أحلى خيالاته، واشتدت في صدره آلامه، كشف عن وجعه الغطاء فإذا به هو المتصدع..


وقبل سقوطه صريعاً دق قلبه بكل لحن حزين كان يعرفه، فأنشد وحطامه يهوي إلى الأرض 

وردٌ تبدّل أشْواكاً وأوْرثني
ثُلماً تأَجّجَ في صدري يؤرّقني

قلبي تأَلّمّ أشواطاً يعَدّدها
موتاً يقارب من روحي ويسألني

أحانَ وقْتُ انْفصال الرّوح عن جسدي؟
و عظْم صدري الذي قد كان يسندني

وَقَعْتُ في فَخّ حُبٍّ غافلٍ أعمى
ألقى لعيني بصيصاً ثمّ ضيّعني

عقلي وحسّي و كلَّ الراغبين معي
شمسَ دُجاها وسرّي بات يقتلني

طاروا بأَنْجمِ كونِ الهائمين ولم
يُبْقِ لكوني قليلاً قد يساعدني

في مرْبعِ التّيهْ ألقتْ نورها حتى
لقيتُ أجْسَادَ وسط التيه ترْمُقُني

ياليتني لم أذُقْ ريّا عذوبتها
ولا عرَفْتُ بِها حباً سيَكفُرُني

ولا انطلى سِحْرها الغاني بضِحْكتها
على غباءٍ بتيه العقْل أوْدَعني

سجْنَ الضّحايا أُقاسي حلْو صورتها
حتى تَحَطّم مني الروح وصدّعني

أوَرْدةُ الصُّبْح هذي اليوم تخدعني؟
تطيح رأسي عديماً ليس ينفعني

وهمْتُ حبّاً بدا لي غفلةً برؤىً
شيئاً جميلاً بنَصْلِ القَهْر طَعّنني



*المنحوتة في الصورة من عمل النحات جورج تريجز George Triggs عام ٢٠١١م تحت عنوان : (مُحطّم، broken)

الجمعة، 1 ديسمبر 2023

في بحر التبريرات


وأظن أن أصل معنى (التبرير) مأخوذ من التزكية، أي جعل العمل (من أعمال البر) أو جعله عملاً سائغاً مقبولاً، وهو في عرفنا اليوم أقرب لمعنى (العُذر).

وأرى للتبرير سببين لا ثالث لهما:

١- ارتكاب خطأ صريح تجاه شخص يهمنا أمره، فيجب علينا عند الاعتذار توضيح سبب وقوعنا في هذا الخطأ ، فكما تعلمون -أعزائي القراء- أن للاعتذار السليم أركانٌ ثلاثة وهي:
◇-الاعتراف بالخطأ.
◇-توضيح سبب الخطأ -المبرر أو الدافع- والاعتذار عنه.
◇-الوعد بعدم تكراره.

ولهذا النوع من التبريرات نوعان الأول مقبول، والثاني مرفوض:
الأول: ذكر المبرر بغرض إثبات حسن النية مع الندم على ما جرى.
الثاني: التبرير بهدف الدفاع عن النفس ومحاولة التملص من الخطأ وإضعاف موقف الطرف المقابل وإيهامه أنه مبالغ أو سيء النية.

٢-أما النوع الثاني من دواعي التبريرات فهو شعورنا أن الطرف المقابل فهم فعلاً عادياً عفوياً على غير مراده، فالفعل هنا ليس خطأً صريحاً ولكن سياقه أو حالة متلقيه قد تجعل الأمر مشوباً بالإساءة كضحكة عابرة، أو تخلف عن حضور مناسبة أوتأخر في التهنئة أو المواساة وهكذا، فيأتي هنا دور التبرير والتوضيح، وقد لا يكون واجباً وضعه في قالب الاعتذار المذكور أعلاه، ولكن التبرير سيتأثر بحالة الطرف المقابل ومبدأ حسن أو سوء النوايا ودرجة العلاقة، ولكني أرى أحسن قوالب التبريرات -إن صح التعبير- في هذا السياق أن تكون بدرجة عفوية الموقف محل الخلاف مع الاهتمام بالتذكير بقوة العلاقة ودرجتها الحقيقية دون مبالغة أو تفريط.

أما أنواع التبريرات كما أراها فتندرج غالباً تحت ثلاثة أنواع:

١- التبرير الحقيقي: وهو ينطبق غالباً على كل ما سبق ذكره، فهو دافع حقيقي وغير مقصود لموقف أدى لخلاف أو سوء فهم، ومزية هذا النوع أنه يأتي على الذهن بعد حدوث الموقف -لأنه حصل عفوياً دون قصد- مع أن ترتيبه الزمني سابق لحصول المشكلة.

٢-تبرير الورطة: وهو موقف يرتكب فيه الفاعل خطأً بغير قصد ولا عذر فيؤلف لنفسه عذراً ينجيه من ورطته، ولو أن شيئاً من هذا قد يكون طبيعياً في علاقات البشر، ولكن التمادي فيه من طباع المستهترين الجبناء.

٣- التبرير المزيف: وهو نوع من أنواع الكذب الصريح فهو مبرر يصنعه المسيء قبل حصول المشكلة أصلاً، ثم يقوم بإلقاء عذره في وجوه المتضررين لإسكاتهم وقطع طريقهم في محاسبته ولومه. 

وهنا يكمن لب الموضوع، فإن طريق التبرير طريق طويل وأحادي الاتجاه غالباً ومتدرج أيضاً، وهو عادة سيئة يميل لاستعمالها الأشخاص الأقل قدرة على احتمال المسؤولية، فنجدهم كثيروا الشرح والتفسير، ويتحاشون الاعتراف بأخطائهم، والأسوأ من هؤلاء أولئك الذين يمارسون الأخطاء عمداً وهم يعلمون أن ما يقومون به خاطيء ولكنهم يتذاكون بنسج أعذار ومبرارت لإخراج أنفسهم من مغبة أفعالهم، 

وما يجهله هؤلاء أن الثقة في تلك المبرارات التي يختلقونها تكاد تكون معدومة عند من اعتاد سماعها، وأن هذا الطريق الذي يسلكونه هو ذات الطريق الذي أسقط كثيراً من الشرفاء في مزالق الفساد والانحطاط، طريق يبدأ بشرارة فكرة خبيثة وينتهي بحريق هائل يحيل المصداقية إلى رماد.

ومما يجدر الانتباه إليه في هذا السياق أن محترفي التبرير هؤلاء لم يحترفوا هذا المجال عبثاً، بل احترفوه لأن قدراتهم عالية في مماهاة الحقائق بالأكاذيب، فيزنوا في كل موقف معيار هذا وذاك بحسب ما يقتضيه الموقف وما تحتاجه حبكة الكذبة ليستمروا في ممارسة أفعالهم المرفوضة.

وهنا نقطة مهمة وتساؤل جوهري، فهل يمكننا اعتبار (التبرير) المزيف -كما وصفناه- مهارة مقبولة مادام المبرَر له يقبلها وهو راضٍ؟ وهل يمكن اعتبار هذه المبررات نوع من أنواع الكذبات البيضاء التي لا تضر أحداً ولكنها تجلب المنافع لأصحابها المهرة في حبكها وحياكتها؟

أقول: إن مجرد مناقشة قبول هذه الفكرة من أصله يحتم على صاحبها مراجعة نفسه ومعدن مصداقيته عند المحيطين به، لأن هذا المبدأ هو أول دركات هذه الحفرة السحيقة التي ضرت المجتمع طويلاً بأيدي المبررين الأنانية.

وأختم بحديث نبوي يصف حال أكثر هؤلاء وهو حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها حين قالت: (سَمِعَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَلَبَةَ خِصَامٍ عِنْدَ بَابِهِ، فَخَرَجَ عليهم فَقالَ: إنَّما أنَا بَشَرٌ، وإنَّه يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضًا أنْ يَكونَ أبْلَغَ مِن بَعْضٍ، أقْضِي له بذلكَ وأَحْسِبُ أنَّه صَادِقٌ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ مُسْلِمٍ فإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أوْ لِيَدَعْهَا) رواه البخاري




الجمعة، 27 أكتوبر 2023

أغلى النِعَم

محزن أن نرى بعض الناس يتفاخر ويدعي لنفسه الفضل فيما يحظى من النعم غافلاً أو متغافلاً تياسير الله له وأفضاله عليه وتغاضيه عنه، المحزن حقاً أنهم سائرون في درب مرعب يجهلون نهايته مع أن القرآن يشير إلى مصائر سالكي هذا الطريق، 

وقارون زعيم أولئك المتكبرين، مع أنه ليس أولهم: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)

فما بالكم أنه لما ادعى الفضل لنفسه، ادعاه لأنه كان عالماً بدين قومه فظن أنه حصل على هذه الكنوز عن استحقاق وجدارة، ولو كان كما قال لعلم أن من الهالكين قبله من كان أولى بهذا التفاخر وأقرب لأسباب التكبر، ولكنهم هلكوا لاستكبارهم، فلم يعِ ولم يتعظ.

وعلى النقيض، كان سليمان عليه السلام نبي ابن نبي وملكٌ ملكَ الأرض وما فيها من كائنات، ولكنه لم يستسلم لنشوة السلطة ولم يغتر بالقوة، فقال: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)

عجيب هذا الدعاء المليء خضوعاً واستسلاماً، فيطلب عليه السلام من ربه أن يساعده على شكره شكراً وافياً، ومع أنه نبي ابن نبي لكنه يطلب أن يُحسب (برحمة الله) من عباده الصالحين.
 
واليوم نرى بعض من انتفخ بما يملك من فتات، ويطير هنا وهناك متعالياً متكبراً متسلطاً على الذين هم دونه مرتبةً، أو أضعف منه منعة ولو كانوا خيراً منه وأولى منه بما ملَك، والمؤسف انخداع بعضنا بهؤلاء ومساهمتنا في نمذجتهم وإعلاء مكانتهم وماهم إلا مصائب تطفو فوقنا بلا قيمة ولا معنى.

فليراجع كل واحد منا نفسه، يراجعها في مشاعرها وما تحب وما تكره، ولنحجم ما قد يعترينا من تعالٍ أو تقدم في إعلاء الفارغين، ولنمعن النظر في نعم الله علينا ولنكثر الشكر والتذلل له والاعتراف بفضله تعالى، حتى تدوم هذه النعم.

فإن نعمة الشكر من أغلى النعم.

الأحد، 8 أكتوبر 2023

(فعلَّمني أكثر مما علمتُه) شيء من حكمة الاحترام

(دخل الأصمعي على الرشيد بعد غيبة كانت منه، فقال له: يا أصمعي، كيف أنت بعدنا؟ فقال: ما لاقتني بعدك أرض، فتبسم الرشيد، فلما خرج الناس قال: يا أصمعي؛ ما معنى قولك: "ما لاقتني أرض"؟ فقال: ما استقرت بي أرض؛ فقال: هذا حسن؛ ولكن لا ينبغي أن تكلمني بيد يدي الناس إلا بما أفهمه، فإذا خلوت فعلمني، فإنه يقبُح بالسلطان ألا يكون عالماً؛ لأنه لا يخلو إما أن أسكت أو أجيب، فإذا سكت فيعلم الناس أني لا أعلم إذ لم أجب، وإذا أجبت بغير الجواب، فيعلم من جوابي أني لم أفهم ما قلت. قال الأصمعي: فعلمَني أكثر مما علمتُه)

قلت: في نصيحة الخليفة الرشيد ما قد يفي بحل أكثر مشكلات (الاحترام) بين الناس، فيكفي أن يتجنب المرء قول ما قد يسبب إحراج الآخرين.

وأصل ذلك في قوله ﷺ: (أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراءَ وإن كان مُحقًّا..) الحديث، فقول الحق ليس كافياً لقوله في كل موقف.

ولكن الفرق في وصية الرشيد أنه علّم الأصمعي محاولة فهم الطرف المقابل -ذا المرتبة الأعلى- كالأب، والأستاذ، والرئيس، وذا الفضل، والحاكم..الخ وتحاشي ما قد يحرجهم أمام الناس، فإن الأدب يوجِب هذا التحسس على الإنسان إن حرَص على علاقته بمن هو أعلى منه مرتبة، لا أن يجعل نفسه في مبارزة إحراج واستعراض معلومات أو مهارات كلامية.

ومشكلة هذا النوع من المبارزات أنه يضع ذا المكانة العالية في إحراج مهما كانت النتيجة، فإن انتصر قالوا: انتصر على ضعيف، وإن انهزم عيروه، وإن سكت ترفعاً اتهموه بالعجز.

وهذا يلفت النظر لإحسان النظر للأمور، لا أن ننجرف -كمتفرجين- خلف ردود الأفعال دون النظر لكل موقف برمته.

أطلت الكلام وما قصدت إلا التعليق على الموقف أعلاه، وما في النفس أكثر.

دمتم بخير.

الخميس، 28 سبتمبر 2023

في وداع التربوي المحنك: أ. عمر بن علي عقيلي

لم أستطع حتى اليوم أن أكتب نعياً أو أحرفاً أودّع بها أستاذي الذي عملت تحت إدارته عاماً دراسياً كاملاً، الأستاذ الفاضل والمربي القدير أ. عمر بن علي عقيلي رحمه الله، مع أنه ودع دنيانا قبل قرابة الأسبوعين.

فما تبعثر من أفكاري وذكرياتي المحدودة العميقة معه لم تكن تقوى على الحبر والورق، وبقيَت كالطيف تلازمني كل يومٍ مذ بلغتني صدمة الخبر الأليم، وها أنا أستجمع منها ما استطعت خلال أربع أيام ثقيلة أسرد شيئاً مما أحب قوله عن أستاذي الذي فرقتني عنه الأيام والأقدار..

-صفاته الشخصية-

رجل لا يمكن أن يكون من الأشخاص العابرين، فهو من الرجال الذين يتركون أثراً في النفس، ومع أن ضبطه العام لنفسه وجوارحه شبه تام، إلا أنه قادر على أن يجعل من نظرته وابتسامته وعبوسه بل وحتى صمته رسالة واضحة ومكتملة ولو كانت أحادية الملمح،

هادئ الحركة والنبرة، يوحي هدوءه بالراحة أحياناً، وبالحزم أحياناً أخرى، وكأن له قدرة داخليةً على توجيه الرسائل الخفية التي تصل للنفس مباشرةً، لا يعلو صوت ضحكته على صوته في كلامه، ولكن ملامحه كلها تضحك معه، ليّن في غير ضعف، شديد في غير عنف، متبسطٌ في علو، متواضع في شموخ، كل شيء فيه يدل على الحنكة، ولم أر كارهاً له إلا الكريه،

-اللقاء الأول- 

في عام استلامي وثيقة التخرج من جامعة الملك عبدالعزيز ولأني كنت متأخراً جداً عن زملائي ودفعتي انطلقت بسرعة للتقدم في كل جهة تمر أمامي أو أسمع عنها، ولأن خطتي الوظيفية وقتذاك كانت موجهة لسلك التعليم أردت التقديم في المدارس الخاصة كخطوة أولى، ولكني صُدمت أن كل مدرسة زرتها كانت مغلقة الأبواب لأننا في بداية الإجازة الصيفية، إلا مدرسة دار الرواد، وجدت أبوابها مفتوحة ولكن ممراتها صامتة وفصولها مقفلة،

صعدت إلى مكتب الإدارة وفي ظني أن المبنى مهجور وليس فيه غيري، حتى دخلت مكتباً وإذ بالأستاذ عمر في كامل زيه الرسمي منهمكٌ في شغله وحيدٌ تماماً ومشغولٌ تماماً، سلّمت فرد متعجباً متسائلاً بصمت عن سبب وجودي، فبادرته: جئت لأقدم ملفي للتوظيف، سألني عن تخصصي وأجبته (لغة إنجليزية) فقال ليس لدينا حاجة ولكن أعطني الملف وقد نتصل بك بداية العام الدراسي، فشكرته ومضيت دون أن أسأله عن مركزه في المدرسة.

لم يكن اللقاء مبشراً ولكني كنت أتساءل عن هذا -الموظف- الوحيد في مجمع مدارس ضخم كهذا، بل لعله الوحيد في مجتمع التعليم الخاص بأكمله حسب ما خبِرت.

-اللقاء الثاني-

في بداية العام وبعد دوامة طويلة في التقديمات والمقابلات، حطت رحالي في ذات المدرسة -دار الرواد- التي كنت مستبعداً الانضمام إليها، تفاجأت وقتها بأن ذلك (الموظف) الوحيد الذي التقيته أول الصيف كان هو المشرف العام على المدارس بفرعيها للبنين والبنات، وبعد المقابلات رحب بي وقال لي بأن مقابلتي فاقت التوقعات وأني أول معلم لغة إنجليزية سعودي تقبله المدرسة منذ تأسيسها قبل ثمان سنوات، وأخبرني أنه والطاقم الإداري يعلقون عليّ آمالاً كبيرة للحفاظ على صورة المعلم السعودي حديث التخرج في مادة اللغة الإنجليزية على وجه الخصوص، وكانت تلك مسؤولية ضخمة أشعرني بها ووضعتها نصب عينيّ طوال فترة عملي هناك، وكنت كلما شعرت أني قد أحيد عن الوفاء بها تذكرت كلماته ونظرة عينيه المتفائلة عدت وشددت العزم على التحسين من نفسي، وقد كان.

-اللقاء الأخير-

عرضَت عليّ المدرسة في آخر شهرين من العام الدراسي أن ترقيني إلى وظيفة وكيل، وكان ذلك بتوصية من الطاقم الإداري بالقسم الابتدائي من مدير ووكلاء، وقد وافق عليها الأستاذ عمر مباشرة وطلب منهم استشارتي، ومع أني أبديت الموافقة الأولية إلا أن من عجائب القدر أني تلقيت عرضاً من جهة حكومية بعد عرض الترقية بأسبوع أو أقل، فأجريت المقابلة لديهم وقُبلت، ولما طلبت لقاء الأستاذ عمر لأبلغه بمجريات الأمور، سألني أول الأمر عن عرض المدرسة فقلت له أن العرض أعجبني ولكني تلقيت عرضاً أفضل لدى الجهة الحكومية الفلانية، ومن باب التقدير أخبرته أني أطلبه الاستشارة فيما ينبغي عليّ فعله تجاه العرضين، ومع علمي أن المدرسة كانت تحرص على الإبقاء على كادرها السعودي لأسباب كثيرة، لكنه لم يتردد في أن ينصحني بقبول العرض الآخر ثم أردف: (نحن نشجع الكوادر السعودية ولسنا بخلاء على الوطن، كما أني شخصياً لا أحب أن أقف عقبة أمام مستقبل أحد ولا مستقبلك أنت شخصياً، بل أحب أن يخرج من عندنا سفراء يذكروننا بخير) فأراحني كلامه كثيراً ثم وقفت وسلمت عليه مودعاً بحرارة، فهمس إليّ (لا تنسانا بعدين) فقلت كيف! قال: (إذا صرت ذا منصب أو مكانة رفيعة -وهو ما أراه في مستقبلك- فلا تنسانا) شكرته لحسن ظنه، ومن جديد لم يفارق كلامه المحفز ناظريّ ولا عقلي، ولست أدري وأنا في هذه الحالة العادية أكان يرى شيئاً بالفعل أم أنه أراد تشجيعي، وكم كنت أتمنى أن يحصل شيء مما قال لأفي بوعدي له مرة أخرى وأزوره في مكتبه أو بعد تقاعده وقد تحقق ما كان يراه لمستقبلي المهني.

-أثناء الرحلة-

لا أستطيع إغفال ذكر شخصيات مميزة عملتْ تحت إدارة الأستاذ عمر وكان لها أثر كبير في دعم رؤاه الطموحة دون أن تبخل يوماً بعطائها وجهودها، وقد استفدت شخصياً مما جادوا به من نصح وتوجيه وإدارة، وأذكر منهم: الأستاذ إبراهيم مراد مدير القسم الابتدائي، والأستاذ عماد بكر مشرف مادة اللغة الإنجليزية في المدارس، والأستاذان أحمد الأحمد و محمد علاء وكيلا القسم الابتدائي، والأستاذ ناصر فوزي معلم اللغة العربية، وطاقم معلمي المرحلة الابتدائية بصفة عامة، وغيرهم كثير من مشرفين وزملاء وأساتذة كان لكل واحد منهم هوية وبصمة نافعة لنا كزملاء وللعملية التعليمية التربوية في المدرسة بالعموم، وأكثر من ذكرتُ كان ممن عملت معهم شخصياً في القسم الابتدائي ولكن الفريق أكبر وأوسع من هذا بكثير.

-اللقاء بعد الأخير-

وفي العزاء الذي اكتظ بقامات تربوية ومعلمين وطلبة، رأيت ستار الحزن يخيم على المجتمع التربوي بجدة بمختلف طبقاته، وقد جاء يودع رجلاً قدم ما يُشعر الناظر أنه عاش أكثر من ضِعف عمره الحقيقي، وكأن اسمه ليس عُمَر بل عُمْر، فالأثر الذي يتركه مثله باقٍ بقاء العمر، ففي كم عمرٍ أثر؟ وفي حياة كم أفاد؟

رحمه الله رحمة واسعة وجعل أعماله ثقيلة في ميزان حسناته وشافعة له للدرجات العلى في الجنة.

الجمعة، 15 سبتمبر 2023

ضوء الأحزان

مازال يشغل تفكيري منظر عقد الأنوار الذي يُعلق عادةً لإخبار الناس أن هذا البيت في حداد وأنه يستقبل المعزّين والمواسين، ومع أن الناس اتخذت هذه السمة عادةً متوارثة من وقتٍ قريب لا للإشارة لشيء سوى الدلالة على الموقع فقط، إلا أن هذا المنظر ذا الأنوار المصطفة في السماء صار يطفىء الأنوار في صدري كلما رأيته،

وكأني أرى في هذا العقد صفاً من المعزين الواجمين لهيبة الموت، أو كأنه صف أهل العزاء في ثياب حزنهم، مطأطئين لذكرى فقيدهم، مترحمة عليه نفوسهم، مستسلمة لذكراه قلوبهم، وآخر همساته ولحظة فراقه تستلب ألبابهم وأبصراهم،

أرى كل هذا وذهني يستعيد ألم ذكريات هذا العقد المشؤوم، وهو يتمايل فوق رأسي بمرور الهواء من بين جنبيه، وكأن الأضواء المعقودة فيه تهز رؤوسها نفياً لكل ما تصوره عقلي عنها، ولكن عقلي يصر على رؤية الظلمة في وجه كل (لمبة) استُدعيت لتدل على مواطن الأحزان..

الثلاثاء، 6 يونيو 2023

شوك وشكوك

لن يعتريك شعور (المُنبتّ) الذي لم يقطع أرضاً ولم يبق ظهراً، كمِثل ما يعتريك إذا وقعتَ في حيرة خذلان الأحبة والأقربين، خذلان لا تعرف مبدأه من منتهاه، تتقلب فيه بين ظلام الذنب وسيف الحق،

فالكل ينثني إلى عزلة كثيبه الكئيب، آملاً جريَ ماء الحقيقة كي تروي شروخ حشائش (تصبّرت) لمّا جفّف غُول الشك يقينها، وزرع في جسمها الأشواك، 

وتشرئب تلك النفس الهزيلة كلما رفرف جناح تحسبه جناح الخلاص، فتُخيّب ظنها صفعة جناح التخلّص، وما أسهل التخلص، وما أصعبه.. وما أقسى صفعته.

صفعة تَذهَب بالبصر وقتاً، حتى يعود وقد انسلخت الدنيا عن ألوانها وتعرّت في بياض يغلبه سواد.. وطعنة السؤال الحائر لا تبرد ولا تلين، أخاذل أنا أم مخذول !!

السبت، 22 أبريل 2023

ملابس أطفال مكة في عيد الفطر قبل قرن من الزمان

🔸️يقول الشيخ محمد عمر رفيع رحمه الله (1317هـ - 1398هـ)

(..وكان لأهل مكة اهتمام واعتناء بتجميل ألبسة أطفالهم في عيد الفطر للمباهاة وإظهار النعمة والسخاء في الصرف، فقد كانت لي جبة من المخمل الأسود مرصعة في وسط الظهر، وعلى سحاف الذيل وأطراف الأكمام بكواكب (أزارير من فضة) مطلي بعضها بالذهب،

ومع هذه الجبة شاية من قماش يسمى (ريزة) وهو قماش محاك بالحرير وخيوط الفضة مطلية بالذهب، وعمامة من الخيزران -يقصد طاقة العمامة- المُلبس بالمخمل الأسود من جنس الجبة، وفي وسط الرأس قرص من الفضة من صنع محلي مزخرف،

ويلف على العمامة قطعة من شاش أبيض، ثم يلبَّس هذا الشاش بلفائف مطرزة بالقصب الذهبي الوهاج، ويحتزم على الشاية بحزام من المخمل من لون الجبة ما كان من الفضة من صنع محلي.

هذه التقاليد في لباس الأطفال دخلت في خبر كان، فقد اقتصر اللباس على الثوب والكوت من الأقمشة الحريرية، ومشلح صغير على طوله، وغترة بيضاء إما سادة أو محلاة بتطريز من القصب، وبدل الشطافة عقال صغير مقصب.)

🔸️أما الشيخ محمد علي مغربي رحمه الله (1334هـ - 1417هـ) فقد أضاف أن أهل الحجاز كانوا يحرصون على أن يلبس الأولاد الجبة والعمامة، أما الجبة فيصنعها الخياط، ولكن مشكلة العمامة ليست فيها بل في لفها..

ثم يقول:( ..ولكن هناك رجال اشتهروا بالتفنن في إتقان لفة العمامة لتظهر بشكل جميل.. وكان الناس وخاصة الصغار الذين لا يلبسون العمائم إلا في المناسبات يلجؤون إلى هؤلاء المشاهير في لف العمامة ليقوموا بلف عمائمهم،

وكان من أشهرهم في مدينة ‎جدة الشيخ إبراهيم الصبان -من كبار تجار الجلود- وكنا نلجأ إليه في المناسبات الهامة كالأعياد أو الحفلات المدرسية بعمائمنا ليلفها لنا،

وكنا نقضي الساعة تلو الساعة انتظاراً لأخذ العمامة من كثرة إقبال الناس على الرجل، ونراه وهو عاكف على لف العمامة تلو الأخرى دون ضجر، وقد انتهى عهد العمامة بعد أن شاع لبس العباءة العربية والعقال..)

جميع الصور منقولة من حساب الأستاذة غادة المهنا أبا الخيل على تويتر @GAbalkhail

الأحد، 12 فبراير 2023

يانور العين

كنت منذ مدة أستمع لبعض الأغاني الخليجية القديمة وأكثرها لطلال مداح -رحمه الله- ومحمد عبده، ثم فاجأني اليوتيوب بعرض أغنية (يانور العين) لفنان كويتي لم أكن أعرفه واسمه (يوسف المطرف-رحمه الله-)، وما جهلي به إلا لضعفي في الفن الخليجي بشكل عام وليس نقصاً فيه أبداً.

سمعت الأغنية بسرعة -أي بدون تركيز- لأني كنت أقود السيارة، ولما رجعت البيت وجدتني أبحث عن تلك النغمة التي مرت على أسماعي ومازالت تعزف صدى لحنها في زاوية كانت ساكنة في أقصى عقلي،

فلما وجدتها، وجدتني أثبت التشغيل عليها، وجعلتها تتكرر وتترردد على مدى يومين شبه كاملين، في غدوتي وروحتي وأثناء عملي، أسمها بإمعان وعرضاً بلا استماع.

ثم صرت أسأل نفسي: مالذي علّق هذه الأغنية بالذات في ذهني مع أني لا أرى في كلماتها أو أدائها أي تعقيدات موسيقية أو قفزة فنية تخلتف عما ألفته في الفن من أعلاه إلى منتهاه.

أهو اللحن؟ أهي الموسيقى؟ أم الأداء؟

فوجدت أخيراً أن يوسف المطرف -رحمه الله- لم يكن يغني، بل كان في حالة اندماج تام بالكلمات واللحن والعود، حتى استطاع أن يكون هو المتكلم نفسه في كلمات الأغنية، ولقد كنت أسمع تهدج النفس في صدره مع خروج الكلمات وارتفاع نبرته ثم انخفاضها تبعاً للحالة الموصوفة،

كل ذلك كان في كفة وتعابير وجهه ولمعة عينيه كانت في كفة ثانية.

أليس هذا ما ينسميه (الإحساس)، بلى هو كذلك وهو أيضاً ما افتقدته أكثر الأعمال الفنية اليوم.

والحقيقة أني وبعد كل مرات تكرار الأغنية بحثت عن تسجيلات أخرى لها، فوجدت أكثر من تسجيل للفنان نفسه ولكني لم أجد فيها ذات الإحساس في التسجيل الأول مع أن كلمات الأغنية كان ناقصة فيه، ثم وجدت لابنه (مطرف المطرف) أكثر من تسجيل للأغنية نفسها وهي جميلة خصوصاً الذي كان في موسم الرياض، وأيضاً لم يكن شيء بتدفق إحساس التسجيل الأول عام ١٩٩٣م

وأخيراً رحم الله الفنان يوسف المطرف وغفر له


السبت، 27 أغسطس 2022

ما تبنيلوش

أتردد على أحد المقاهي المعروفة في جدة، وقد تكونت علاقة مودة بيني وبين المشرف المصري الذي يشرف على الخدمة في المكان، 

وفي أحد أحاديثنا المطولة وهو يحكي لي عن ابنه وبناته وعن مدى فخره بما حققوه من تفوق علمي،

 حكى لي عن ابنته الكبرى التي تخرجت من الثانوية العامة بنسبة ٩٩،٦% وأنها على وشك إتمام سنة الامتياز في كلية الطب مع زوجها الذي كان زميلاً لها منذ الصف الأول الابتدائي،

وعن ابنه الذي تخرج بتفوق من أحد المدارس العالمية بعد أن درس الصف الأول الثانوي في الولايات المتحدة ضمن منحة دراسية قدمتها الحكومة للطلبة المتفوقين، وهو الآن في سنته الأولى كطالب بقسم علم الأجنة،

  ولولا ضيق الوقت لكان حكى لي عن ابنته الصغرى التي تخرجت مؤخراً بتفوق من الثانوية العامة، 

لم أكد أتمالك نفسي عندما كانت تلمع عيناه و يتهدج صوته وهو يحكي كل لقطة من لقطات قصة كفاحه في الغربة التي امتدت ثلاثين عاماً بالتمام والكمال، حتى أنه لما قال: (قضيت في الغربة..) استدرك ثم قال: ( بل هي ليست غربة فقد صار أهل هذا البلد أهلي و ناسي وقد شعرت بوفاء كبير منهم كالذي يكون بين الأهل أو أكثر)، 

ثم قال: (لقد أعطتني هذه البلد فوق ما كنت أتوقع أول ما أتيت، وقد كانت رؤيتي محصورة في شي واحد وهو تعليم أطفالي فسخّرت كل إمكانياتي لهذا الهدف الوحيد)، 

ثم سألني: (أتعرف لماذا يا أستاذ خالد؟)
 قلت: (لماذا؟)
قال : (لأن أبي وصاني بوصية في شبابي مازلت أحفظها و أتبع نصها الذي يقول:( ابني ابنك وما تبنيلوش)

الاثنين، 13 يونيو 2022

جفوة الحبيب بين شوقي والقيرواني

لا يعرف كثير من الناس يعرف أن قصيدة أحمد شوقي ت١٣٥١هـ (مضناك جفاه مرقده) الواقعة في قرابة الثلاثين بيتاً والتي تغنى بها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب  وتبعه غيره، هي *معارضة لقصيدة (ياليل الصب متى غده) الواقعة في قرابة المائة بيتٍ للشاعر الأندلسي علي القيرواني ت٤٨٨هـ وشدَتْ بها عدة مطربات كنور الهدى وفيروز وغيرهما.

وبالنظر للقصيدتين نجد وصف القيرواني نظرة الحبيب كما يلي:

ينضُو مِنْ مُقْلتِه سيْفاً
وكأَنَّ نُعاساً يُغْمدُهُ

فيُريقُ دمَ العشّاقِ به
والويلُ لمن يتقلّدهُ

كلّا لا ذنْبَ لمن قَتَلَتْ
عيناه ولم تَقتُلْ يدهُ

يا من جَحَدتْ عيناه دمِي
وعلى خدَّيْه توَرُّدهُ

خدّاكَ قد اِعْتَرَفا بدمِي
فعلامَ جفونُك تجْحَدهُ

ثم نجد أن شوقي وصف ذات الحالة كما يلي: 

جَحَدَت عَيناكَ زَكِيَّ دَمي
أَكَذلِكَ خَدُّكَ يَجحَدُهُ

قَد عَزَّ شُهودي إِذ رَمَتا
فَأَشَرتُ لِخَدِّكَ أُشهِدُهُ

ولاشك أن القيرواني بذكره دقائق مشاعر الحبيب تجاه نظرة محبوبته قد أجاد واستطاع أن يلامس أحاسيس العشاق، بعكس شوقي الذي أعاد صياغة الفكرة دون أن يضيف أي معنى من جهته فلا هو ذكر سبب الجراح ولا عن سبب إنكار العينين ذلك.

وكم هو عميق تشبيه عيون المحبوبة بالسيف الذي يقتل عاشقها ويضرجه في جراحه، ولا أظن هذه الحالة تكون إلا في لقاء بعّدت فيه المجافاة الحبيبين، فيكون إنكار العيون علاقة سرّيةً لا يعرفها إلا الحبيبين فيكون وقع النظرة أشد وهي تخفي ذلك الحب، وهذا يذكرنا بالقول المشهور لجرير:

إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ
قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا

يَصرَعنَ ذا اللُبَّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ
وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا

 والحقيقة أني أرى شوقي قد قصّر في قصيدته عن الاستفاضة في بعض الأوصاف التي تتطلب شرحاً أو توضيحاً -كما في المثال السابق- ،وكأنه اعتمد على خلفية المتلقي ومعرفته بالقصيدة الأصلية، وهو ما جعلها تُصنَّف ككقصيدة صعبة الفهم علينا كعامّة فانحسر تداول حتى نسختها المُغناة بين أسماع النخبة -ولست منهم من قريب ولا بعيد-

ومع هذا فلا يمكن لمتذوق للشعر أن ينكر إبداع شوقي في معارضة القصيدة، فمما تفرد به مضاهاة جمال الحبيب بجمال يوسف عليه السلام بقوله:

الحُسنُ حَلَفتُ بِيوسُفِهِ
وَالسورَةِ إِنَّكَ مُفرَدُهُ

قَد وَدَّ جَمالَكَ أَو قَبَساً
حَوراءُ الخُلدِ وَأَمرَدُهُ

وَتَمَنَّت كُلُّ مُقَطَّعَةٍ
يَدَها لَو تُبعَثُ تَشهَدُهُ

وفي زاوية ثانية نجد القيرواني يضع محبوبته في منزلة المُلك والتصرف بل وبالغ حتى أوصلها مرحلة الألوهية ثم أتى على وصف المسجد الذي سيصلي فيه ليتقرب إليها:

أمُحِبُّكَ يدخُلُ مَجْلسه
فيقال أهَذَا مَسْجدُهُ

لا بُسْط به إلا حُصرٌ
فعسى نعماكَ تمَهِّدهُ

فاِبعَث لمُصَلٍّ أَبْسِطَةً
في الصَّفِّ لِيحْسُن مَقْعَدُهُ

وَعساك إذا أنعَمْتَ به
من صاحِبِهِ لا تُفْرِدُهُ

باِثنين يُغَطّى البَيتُ ولا
يُكْسَي بالفرْدِ مُجَرَّدُهُ

فأتى شوقي وكأنه استحى أن يوصل محبوبته لتلك المنزلة فجعل قلبه هو المعبد الذي يحمل صفات الكنائس ما يبين تأثره بالثقافة الغربية التي احتك بها -وهو ما كان سيستحي منه القيرواني أيضاً وهو الذي عاش في أقصى الغرب ولم ينزل عن ثقافته العربية شبراً- بقوله:

ناقوس القلب يدقّ لهُ
وحنايا الأضلع معبُدهُ

وأثناء اطلاعي المقتضب على الموضوع وجدت أن قصيدة القيرواني (ياليل الصب متى غده) قد بلغت من الشهرة والاستحسان أن عارضها شعراء كبار كثر من بعده، ويبدو أنها كانت من معايير الحكم على الإبداع في منافسات الشعراء في مجالسهم.

لعلي أنتهز الفرصة لأستحث نفسي والسامعين -أعني المهتمين بسماع القصائد المغناة- على وجه الخصوص أن يعودوا لشروح القصائد الفصيحة الصعبة لأن ذلك يفتح لهم أبواب التعمق في القصيدة ومعرفة المراد بها والوصول إلى أقصى درجات المتعة والانسجام مع القصيدة.
_____________________
*المعارضة في الشعر: أن يكتب الشاعر قصيدة على وزن وقافية قصيدة لشاعر آخر، وقد تتحدث عن الموضوع نفسه أو ترد عليه، مثل النموذج الذي بين أيدينا.

الخميس، 9 يونيو 2022

هل نقول للناس حسناً؟ .. أم نجهر بالسوء؟

لما مررت بقوله تعالى في سورة البقرة: (وقولوا للناس حسناً..) تعجبت من هذه الوصية الربانية التي تبدو سهلة التطبيق، ولكنها في يومنا هذا آخذة في الاندثار، مع أن هذه الوصية بالتحديد قد تكررت بشكل مباشر في أكثر من موضع في القرآن الكريم قال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) ،وقال جل ثناؤه: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).

إذاً فإن هذه الوصية المهمة ليست مقتصرة على الكلام العام والمجاملات في المناسبات أو عند ذكر الأموات، بل يدخل فيه حال الجدال والخلاف حتى وإن كان المخالف من (أشد الناس عداوة للذين آمنو).

ولو أتى تجاهل هذه الوصية المؤكدة من باب الغفلة والنسيان لكان الأمر هيناً، ولكن المؤسف في يومنا هذا أن نجد من يتعمد تأويل النص وصرفه عن معناه الظاهر، بل تصل ببعضهم الجرأة أن يستخدم نصوصاً قرآنية أخرى لتبرير سوء أدبهم وفساد ألسنتهم، فيتجاوزون بهذا الموقف سوء أدبهم مع الناس إلى سوء الأدب مع الخالق سبحانه،

فنجد هؤلاء المسيئين يتذرعون بقوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) فيسعى أصاحب البذاءة والإساءة إلى إقحام أنفسهم في خانة المظلومين ليستعملوا الآية درعاً يتقون به نصائح الناصحين، 

ولما تفكرت في هذه الآية، وليقيني أن الآية لا يمكن أن تفتح باباً لظلم الآخرين، وأنّ تخفي الظالم في ثياب المظلوم لن يُقبل عند من فهم الآية فهماً سليماً، وأن الجهر بالسوء ليس مفتوحاً لكل أحد،

خطر بذهني أن حالة الظلم الواردة في الآية تقتضي أن تكون العلاقة بين الظالم والمظلوم علاقة ندية أو علاقة قوي بضعيف، والعلاقة الندية تكون فيه القوى متكافئة ولكن الظالم اقتدر على المظلوم بالكيد والغدر فتمكن منه، وأما الضعف فله حالات ومنها: المرض وضعف الجسم، قلة المال، مرض العقل. وهذه مظاهر للضعف الذاتي، وللضعف مظاهر أخرى معنوية أو خارجية ومنها: ضعف النفوذ، قلة الأنصار. ومثاله قوله تعالى: (حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا).

ولكني أردت أن أجد من أقوال العلماء ما يؤيد هذه الفكرة التي توضح طبيعة العلاقة بين الظالم والمظلوم، فوجدت قولاً دقيقاً للإمام القرطبي في تفسيره قوله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) قال: (..وقال علماؤنا : هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت ، وأما إذا تفاوتت ، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب ؛ وهذا صحيح وعليه تدل الآثار)

وهنا نعود للسؤال الأول: هل نقول للناس حسناً؟ .. أم نجهر بالسوء؟

والحقيقة الشرعية والإنسانية المعلومة أن القول الحسن هو الواجب، وأما الجهر بالسوء فلا يكون إلا لهدف واحد وهو إحقاق الحق، فاعلم أنك إن جهرت هنا وهناك بهدف الانتقام والتشغيب وتشويه السمعة فقد خرجت عن الحد المسموح ووقعت في الخطيئة، أتعرف لماذا؟ لأنه تعالى قال في بداية الآية (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) ثم استثنى لتعرف أن الأصل هو الرفض، 

واليوم تعددت وسائل استرجاع الحقوق وحفظها، عبر الشُرط والمحاكم الشرعية، والجهات الرقابية، وتقديم الشكوى لهذه الجهات يعد من (الجهر) بما وقع عليك من سوء،

وللإمام الشعراوي لفتة لطيفة في تعليقه على الآية: (إنه سبحانه وتعالى يريد أن يحمى آذان المجتمع الإيمانى من قالات السوء.. أى من الألفاظ الرديئة؛ لأننا نعلم أن الناس إنما تتكلم بما تسمع، فاللفظ الذى لا تسمعه الأذن لا تجد لسانا يتكلم به..)

وختاماً: احذر أن تكون ممن التصقت به صفة (الجهر بالسوء من القول) فصار خُلُقهم (السوء) سراً وجهراً.

الجمعة، 20 مايو 2022

حضرتك

من أجمل ما في اللهجة المصرية قولهم (حضرتك) وهي كلمة تميزهم عن كل الشعوب العربية الأخرى، 

وقولهم (حضرتك) يسبق غالباً تقديم طلب أو نداء الأشخاص الذين توجب العادة الاجتماعية احترامهم، كالوالدين والأخوة إذا كان الفارق العمري كبيراً، ويصل ذلك الاحترام حتى لمدير العمل إذا كان فارق العمر واضحاً أيضاً.

وانظر مثلاً إلى الفارق الشاسع بين قول ابنك لك (أعطيك لبن ولا عصير) أو قوله (حضرتك تحب لبن ولا عصير)، وبمقارنة الصيغتين ستتذكر كثيراً من مظاهر مستنكرة مرت بك لأطفال يكلمون آباءهم والحوار لا يبين أياً منهما الأب، ثم تعود وتتذكر كم هو جميل استعمال مثل هذه الكلمات التي تعزز هذا الاحترام الواجب.

صحيح أن مثل هذه المظاهر بدأت تتأثر وتضعف بفعل التقلبات الاجتماعية المتسارعة، لكن بعض الأسر مازالت تحرص عليها وتصر على غرسها في تربية أبنائها، وأتمنى أن تبقى هذه الأخلاقيات الجميلة ولو في محيط الأسرة على أقل تقدير.

اللطيف في الأمر أن هذه الكلمة (حضرتك) انتقلت إلينا في مدن وحواضر غرب المملكة بفعل الأواصر الاجتماعية بين البلدين، ولكنها تغلبت في صيغة مختلفة وهي السخرية، فإذا قال أحدهم للآخر (حضرتك اللي قلت) فلتعلم أن المتكلم رافض هذا القول وهو ساخر منه على الأغلب.

وختاماً أقدم كل التقدير لكم حضرات الأحبة والأصدقاء.

الثلاثاء، 17 مايو 2022

بين أجداث الذكريات

يصعب ألا تغيب في تموجات هذه الأغنية الفيروزية كلما تُهْتَ بين أجداث الذكريات الماضية، ذكرياتٌ قد تكون قررتَ أن تدفنها بيديك،

لم توارِها النسيان لأنك تبغضها كلها، لكن الحياة توجب عليك أن تترك لَبوس الماضي خلفك وتقفز في ثوب المستقبل المُنتَظر الجذاب، كنت تحب أن تكبر ويتصلب جذعك لتتخلص من عودك الرطب، ومن تفاهة الطيش وسذاجة ما كنت تحسبه عقلاً وحكمة،

.. وقد كبرت..

وتخال أنك ابتعدت وتخلصت من كل شيء، لكنك مع كل هذا لن تستطيع التخلص من طوق الحنين الذي أغلق قلبك من جوانبه، إنك لا تحن لشيء كما تفعل لذاتك حين تناديك في صورتها التي لم تعد صورتَها، صورتُها التي غلّفت الغلطة مكنونها لكثرة ما اندمل فيها من جراح، أو لم يندمل، تناديك الضحكات الصاخبة، الصداقات الفارغة، أحلامك التي تبدو اليوم ضائعة..

.. إليك أنت الذي لم يعد أنت..

---------------------------------------------------------
رابط الأغنية:

https://soundcloud.app.goo.gl/eskMB


كلمات الأغنية:

كنّا نتلاقى من عشيّة
ونقعد على الجسر العَتيق
وتنزل على السّهل الضبابة
تمحي المدى وتمحي الطريق

آه وما حدا يعرف بمطرحنا
غير السّما وورق تشرين
ويقللي بحبّك أنا بحبّك
ويهرب فينا الغيم الحزين

يا سنين اللي رحتي ارجعيلي
ارجعيلي شي مرّة ارجعيلي
وانسيني ع باب الطفولة
تا أركض بشمس الطّرقات

يا سنين اللي رحتي ارجعيلي
ارجعيلي شي مرّة ارجعيلي
وردّيلي الضحكات اللي راحوا
اللي بعدا بزوايا الساحات

بتذكّر شو حكيوا عليّي
لما نطرت وإنتَ نسيت
وصار الشتي ينزَل عليِّي
وإجا الصيف وإنتَ ما جيت

يا سنين اللي رحتي ارجعيلي
ارجعيلي شي مرّة ارجعيلي
وانسيني ع باب الطفولة
تا أركض بشمس الطّرقات

يا سنين اللي رحتي ارجعيلي
ارجعيلي شي مرّة ارجعيلي
وردّيلي الضحكات اللي راحوا
اللي بعدا بزوايا الساحات